جيل يتسارع والزمن يتقلص.. هل تغير مفهوم الجيل البشري؟

ظل مفهوم الجيل البشري ثابتاً على مدار قرون طويلة، حيث كانت حياة المجتمعات تسير بإيقاع واحد بطيء. فوسائل الاتصال لم تكن تتطور بشكل ملحوظ، وأدوات الإنتاج الزراعية والصناعية والطبية وغيرها كانت تتحول ببطء شديد يكاد لا يُلحظ. وقد مرت قرون دون أن يحدث تغيير جوهري في طريقة عيش الإنسان أو في الأدوات المتاحة له، خاصة في شبه الجزيرة العربية.
ميراث المعرفة عبر الأجيال
في تلك الحقب الزمنية، كان جيل الأبناء يتلقى معارف الآباء المحدودة كما هي، وينقلها بدوره إلى أبنائه من بعده. فاستمرت البشرية في حرث الأرض بالأساليب التقليدية نفسها، واعتمدت على وسائل بدائية للتنقل والترحال والبحث عن الماء والكلأ.
في هذا الجو من الاستقرار والثبات، قدر العلماء الجيل البشري بحوالي ثلاثين عاماً (ثلث قرن تقريباً)، وهو متوسط المدة الفاصلة بين ولادة الآباء وولادة أبنائهم. وشاع هذا التصور كقاعدة ثابتة لقرون عديدة، حتى أن ابن خلدون ذهب إلى تقدير الجيل بحوالي 33 عاماً.
حكمة الأجداد: لكل زمان متطلباته
رغم هذا الاستقرار في الماضي، أدرك الآباء أن التغيير آتٍ، ولكل زمان متطلباته. واشتهرت عبارة نسبت إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه تقول: «لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم». كما نسبت عبارة قريبة منها لسقراط تقول: «علموا أولادكم غير ما تعلمتم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم».
وأياً كان قائل العبارة، فإن مضمونها بصيغتيها يدعونا إلى قبول فكرة تغير الأجيال وحتمية اختلاف قناعاتهم ومعارفهم وأنماط حياتهم عن أسلافهم. كما تدعو إلى ضرورة مواكبة كل جديد مفيد وتطويعه ليتوافق مع قيمنا وأخلاقنا قدر المستطاع بصفة مستمرة، حتى وإن كان هذا الجديد يظهر كل ثلاثة عقود فقط.
تسارع الأجيال في عالم التقنية
ولكننا نتساءل: هل ما زال هذا المفهوم ثابتاً في عصرنا الحالي؟ أم أن السرعة غير المسبوقة في المخترعات والتكنولوجيا تفرض علينا مراجعة تقدير الجيل؟ لنترك الجيل البشري جانباً للحظة، ونتأمل تطور أجيال عالم التقنية، ولنأخذ مثالين هما الأبرز: الهواتف النقالة، ونظام الويندوز.
أما الهواتف النقالة، فقد تعاقبت منها عدة أجيال خلال الأعوام الثلاثين الماضية. فتحول هذا الجهاز بسرعة خيالية من مجرد هاتف يشبه الهاتف الثابت ولكنه لا سلكي، إلى جهاز يقوم بدور المذياع، والكاميرا، والتلفاز، والفاكس، والبريد الإلكتروني، وآلاف التطبيقات الأخرى التي تتجدد وتزداد بشكل يومي، لدرجة أن حصرها بدقة يحتاج إلى كتاب كامل، ولا تسعه مجرد إشارة في مقال.
أما في عالم الكمبيوتر، وتحديداً نظام «ويندوز»، فقد شهدنا خلال حوالي 33 عاماً فقط (المدة المفترضة لجيل واحد من البشر) تعاقب أكثر من ثمانية أجيال منه! فمنذ أول ظهور له في الثمانينيات، وجدنا متوسط عمر الجيل من عامين إلى خمسة أعوام تقريباً. وما نشهده اليوم من بزوغ نجم الذكاء الاصطناعي سيغير كثيراً من الموازين، ويجب أن يتسلح شبابنا بأدواته ومهاراته ليشاركوا في تشكيله وليس مجرد استخدامه.
دعوة لمراجعة مفهوم الجيل
في ظل هذه النقلة الحضارية الهائلة، أليس من الحري بنا أن نراجع مفهوم الجيل البشري؟ وهل ينبغي لنا أن نعدل في العبارة المأثورة فبدلاً من أن نقول: «علموا أولادكم غير ما تعلمتم..»، نقول: “علموا كل ولد من أولادكم غير ما تعلم أخوه، فإن جيله يختلف عن جيل أخيه”؟



