الرئيسيةكتاب و آراءالعتاب بين الأقارب: حب وحزم
كتاب و آراء

العتاب بين الأقارب: حب وحزم

ليس كل غضبٍ خصومة ولا كل عتبٍ جفاء؛ ففي شبكة العلاقات القريبة – إخوة، أبناء عمومة، زوجة وأولاد – يظهر نوعٌ من الغضب الراقي الذي لا ينبع من حسد ولا يهدف إلى ظلم ولا يؤدي إلى قطيعة رحم. إنه “غضبُ المُصلح المشفق” الذي يرى الاعوجاج في سلوك من يحب، فلا تسعه مروءته ولا دينه أن يقف موقف المتفرج، فيتحرّك قلبه غيرةً وينطق لسانه نصحاً وتقويماً.

فلسفة الغضب التربوي

الإنسان بطبيعته لا يعبأ بأخطاء العابرين في حياته، لكنه يطول الوقوف أمام زلات ذوي القربى؛ لأن القريب يمثل امتداداً لكرامته وعنواناً لأسرته وقبيلته. عندما يغضب الغيور لتعديل سلوك غير سوي صدر من أخ أو ابن عم، فإن هذا الغضب هو أرفع درجات النصح المطلوب شرعاً وعرفاً. وقد عبر الشاعر العربي القديم عن هذا المعنى بقوله:
قَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ حَازِماً … فَلْيَقْسُ أَحْيَاناً عَلَى مَنْ يَرْحَمُ

وعندما يغضب المرء حرصاً على إخوانه، فإنه يبذل النصح حمايةً لهم من مغبّة الخطأ، كما يقول بشار بن برد في عتاب الإخوان وتوجيههم:
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً … أَخاكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش وَاحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ … مُقارفُ ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه

أدب التقويم.. الفعل لا الفاعل

الخيط الرفيع الذي يفصل بين الغضب التربوي المصلح والغضب الهدام يكمن في “الوجهة\): الغضب الراشد يتجه مباشرة نحو السلوك غير السوي لتفكيكه وتعديله، مع الحفاظ التام على مكانة الشخص وعرضه، وهو حزمٌ في مواجهة الخطأ، توازنه رحمةٌ بالخطّاء، ويقينٌ بأن المجاملة على حساب الأخلاق هي غشٌّ في النصيحة، بينما المواجهة المشوبة بالحرص هي المحبة الحقيقية. وفي الموروث النباطي الأصيل نجد هذا الحث على تبيان الخطأ للقريب وحمايته بالنصح دون مواربة، مع الإبقاء على حبل الود متيناً، كما يُقال في طيات الحكمة الشعرية:
الِّلابِة الِّلي ما تَعَاتَبْ عِلَلْهَا … تَبْقَى عِلَلْهَا دَاخِلِ الْجَوْفِ عِلَّه
وَالْكِلْمَة الِّلي تُوجِعِكَ مِنْ قِبَلْهَا … عِتَابْ سَمْحِينِ الْوِجِيهِ اسْتِدَلَّه

خاتمة

سيبقى الحزم في الحق، المغلف بقرابة الرحم، هو الحصن المنيع لتماسك مجتمعاتنا وحفظ قيمها الأصيلة؛ إن الغضب لأجل التقويم ليس قسوة، بل هو أسمى ألوان الرعاية. وحين يدرك القريب أن خلف تلك الغضبة قلباً يحوطه بالحب ويخشى عليه من الزلل، تتحول جفوة العتاب إلى وثيقة عهد جديدة، تقوى بها أواصر القربى وتستقيم بها السلوكيات.