دراماتورجيا اللوحة: كيف يبني الفنان البصري صراعه فوق المسطح ثنائي الأبعاد

في عالم المسرح المعاصر، يُعد مصطلح الدراماتورجيا من أكثر المصطلحات تعقيداً وأهمية، إذ يرتبط بكيفية بناء القصة وتحويل الواقع إلى نسق درامي عبر تماسك الجزئيات مثل الحبكة باعتبارها خريطة جينية للعمل، والشخصيات ذات التطور النفسي المنسجم مع منطق العالم الذي تعيش فيه، والصراع باعتباره جوهر الدراما القادر على إحداث تأثير وجداني يخصب الحالة الشعورية للعمل.
التفكير الدراماتورجي وحيوية الفن البصري
في جوهر الفلسفة الإنشائية للعمل، وعبر التحول من الساكن إلى المتحرك، تأتي الدراماتورجيا كمصطلح يعني صناعة الدراما وفنيات التجسيد المسرحي، والجسر الذي يعبر عليه النص من كونه مادة خام وتصوراً أولياً لينمو ويصبح عرضاً حياً ينبض بالنزاع والصيرورة. أي تحويل ماذا يقال إلى كيف يُجسد عبر هندسة فكرية تتجاوز منطق رص الأحداث، لصالح تقنية تضمن انجراف الصراع والحوار لتأطير البناء الكلي دون تشتت، وهذه العملية هي التي تحول الفكرة الذهنية إلى تكوين بصري يحمل نفس الثقل الدرامي.
اشتقت الدراماتورجيا كمصطلح يوناني من مقطعين هما الدراما أي الحدث أو الفعل، وتورجيا أي الصناعة أو العمل، لتعني بذلك صناعة الدراما أو فن تركيب المسرحية. ومع تطور فن المسرح، انتقل المصطلح من صناعة النص إلى صناعة العرض، وعدم الاقتصار على الكلمات، ليتضمن تكييف النص وتحويل التصور والنص إلى عرض بصري سمعي، والربط بين الرؤية وتوقعات الجمهور، وطرق تكامل عناصر السينوجرافيا التي تشكل الفضاء المسرحي، وترابطها بصرياً وسمعياً مثل الديكور والجدران والمنصات والستائر، والإضاءة التي تشكل المهابة وتجسد الحالات الشعورية وتوجه عين المشاهد للتركيز على مناطق محددة، والموسيقى والمؤثرات الصوتية التي تعمق جو الفضاء المسرحي والانغماس فيه، وخلق عالم متكامل يخدم الرؤية ويبتدع رسالة موحدة.
وتتمثل الدراماتورجيا في الفن البصري بقدرة الفنان على لعب دور المخرج الذي يحول المسطح ثنائي الأبعاد إلى سينوجرافيا مسرحية وفناء تتوالد عليه العناصر البصرية خلال لقطة واحدة مكثفة متجمدة في الزمن، يبني فيها الفنان البصري صراعه فوق المسطح، اعتماداً على أدوات بناء الصراع مثل الفيزياء البصرية التي تدير الكتلة والفراغ والطاقة، حيث الوزن البصري للألوان والمساحات والقيم الملمسية وثقلها البصري الذي يعادل أو يتغلب على مساحات من الفراغ، وقدرات الكتلة دينامياً عبر تمددها أو انكماشها لإثبات الحضور وسط ضغط الفراغ المحيط بها وإدارة الصراع بين العناصر كرسالة وجودية. هذا بالإضافة إلى خلق مسارات توتر خفية عبر تقاطع الزوايا الحادة، أو اتجاه حركة الشخوص، وإيماءات الأيدي، بما يشكل خريطة بصرية تحرك عين المشاهد خلالها، مما يخلق حركية درامية ديمومة.
ويتعاظم دور التشفير النفسي أو كيمياء الانفعال واللاوعي، والتي تبلغ ذروة تأثيرها عندما يلجأ الفنان للتبسيط واختزال العناصر، وشحن اللوحة بالتفاصيل والرموز المعقدة، ودراماتورجيا الملمس والأداء وضربات الفرشاة العنيفة والمتقطعة التي تشفر إحساساً بالصراع والغضب والعبث، في مقابل تلك الأسطح الملساء المصقولة التي تشفر السكون والأبدية والعزلة. وكذلك رنين اللون وحرارته وتجاور الألوان المتباينة بدرجات صارخة التي تخلق صريراً بصرياً يترجم في النفس حالات ويبني مونولوجاً داخلياً مفعماً بشحنات عاطفية تلامس وجدانية المتلقي مباشرة، دون المرور بحاجز اللغة.
اللوحة كعرض مسرحي وفنيات التجسيد الدرامي في الفنون البصرية
لتطبيق هذا المفهوم الدراماتورجي على أعمال الفنان، ينبغي النظر إلى اللوحة ليس كجماد وإنما كعرض مسرحي متكامل تجري أحداثه داخل حدود الإطار، وأن اللوحة لا تُقرأ في لحظة واحدة، بل تنكشف عبر زمن من التأمل يتحول فيه المسطح الأبيض من مجرد مساحة إلى ساحة وخشبة مسرح تتم عليها أحداث درامية صاخبة، عبر تحويل ماذا يقال إلى كيف يُجسد بلغة بصرية. أولاً: توزيع الأدوار وتحديد الفنان لنقطة التركيز لتكون هي البطل المطلق للعمل، وتتبعه بقية العناصر من شخصيات ثانوية وكومبارس، لتوجيه عين المشاهد قسراً نحو هذه النقطة باستخدام تلاقي الخطوط، أو شدة التباين اللوني أو اتجاه نظرات الشخوص داخل العمل. ثانياً: التحوير والتعبير النفسي لتعزيز الشحنة الدرامية، وخلق دراما نفسية حادة. ثالثاً: اختيار اللحظة الحاملة كلحظة تتكثف فيها كل طاقة الحدث، مما يترك للمشاهد كمتلقٍ نشط مدعو لتخيل ما حدث قبل هذه اللحظة وما سيحدث بعدها.
دراماتورجيا الخط واللون: تجسيد الرؤية الداخلية في قوالب بصرية حية
تطرح دراماتورجيا اللوحة مقاربات نقدية وفلسفية عميقة يتحرر اللون فيها من مجرد صبغة إلى شخصية درامية وبطل يصارع أجراءه اللونية، فهو الممثل الأكثر تأثيراً، والموسيقى التصويرية التي تسبق الحدث، والإضاءة المسرحية التي توجه عين المشاهد وتتلاعب بأحاسيسه، والكيان النابض بالانفعال داخل هذا الهيكل، وفوق المسطح من خلال آليات وحوار الاشتباك والصراع اللوني مع أجراءه، وصيرورة ضربات الفرشاة الخشنة أو الطبقات اللونية المتعددة، ليسقط عن اللون بذلك دور الصفة التي تُطلى بها الأشياء وتمييزها، لصالح ارتقاء ليصبح اسماً وكياناً فاعلاً يمتلك الإرادة والتاريخ.
وذلك عبر فلسفة لا تصبح اللوحة فيها تسجيلاً لمشهد بل أثراً لمعركة دارت رحاها فعلياً، ويترك اللون ندوبه واشتباكاته في كل طبقة خشنة تقاوم الانسجام السطحي البارد. فعندما يتدخل الفنان بضربات الفرشاة الخشنة أو تراكم الطبقات اللونية المتعددة، ليخرج اللون من حيزه البصري المسطح ويكتسي كتلة فيزيائية ملموسة، حيث تندفع الألوان الساخنة نحو المشاهد في هجوم بصري صريح، بينما تتراجع فيه الألوان الباردة لتمارس دور المراقب أو الفخ الذي يبتلع الضوء، وخلق توتر بصري يحاكي تماماً ذروة الصراع في الدراما المسرحية.
وإذا كان الصراع في العمل المسرحي يتوزع بين الشخصيات، فإنه يتكاثر في اللوحة من العناصر الخطوط والألوان لتفتيت ركود العمل وجعله ينبض بالصيرورة، والهندسة الفكرية والاتزان الدرامي في كيفيات توزيع العناصر والمساحات والكتل داخل الفراغ وحركية الخطوط المستقيمة والمتقاطعة أو المنحنية المنسابة، وتضاد الكتل والتفاعل بين الكتل الضخمة والصغيرة، وتوزيع للأدوار والمهام التي تعززها الإضاءة البصرية التي لا تنير الأشكال، بل الفعل الدراماتورجي الذي يحدد مراكز الثقل، لخلق حالة من التوتر أو الاستقرار.
التفكير الدراماتورجي ورسالة الفنان للعالم
يأتي التفكير الدراماتورجي كجسر العبور من ضفة المهارة التقنية إلى ضفة الرسالة الكونية، وموقف فكري يكف فيه الفنان عن كونه ناقلاً للواقع، والانتقال إلى مخرج الصراع فوق المسطح وصياغة رسالته للعالم لا كخطابة مباشرة، بل كتصريح بصري يلامس الحقائق، وبوح لا يأتي عبر هدوء وإنما اشتباك بين الكتل التي تمثل الإنسان والفراغ الذي يمثل العدم، ليخلق بذلك طبيعة موازية تعبر عن رؤيته العميقة، يصبح فيها اللون صرخة، والفراغ فلسفة، والعمل ميداناً لا تنتهي فيه التساؤلات.
فالفنان عندما يتعامل مع لوحته دراماتورجياً، فإنه لا يقدم عملاً بصرياً فحسب، بل يصيغ بياناً فكرياً يتجاوز حدود اللغة والزمن والجغرافيا، لتسطير رسالة مقاومة للنسيان عبر تجميد اللحظة ومقاومة التسطيح وتعميق الصراع كمحاولة لتحويل المسطح الصامت إلى فناء تتصارع عليه الوحدات، ليبقى العمل نابضاً بالحياة صالحاً للقراءة محفزاً لقدرات التأويل والتأمل، بوصفه وثيقة بصرية عن صراعات النفس والروح، ويصير الفنان بهذا المعنى مخرجاً لوعي المشاهد.
فاللوحة هي النص الفلسفي الذي لا ينتهي عرضه بانتهاء النظر إليها، وهي سؤال وليس إجابة من خلال هندسة التوتر واللقطة المكثفة المتجمدة في الزمن، ودعوة للتأمل في جدلية الوجود والعدم والقوة والهشاشة، بما يحفز المشاهد على إكمال الحبكة بخياله، ليتحول الفن إلى تجربة تشاركية، ينتقل فيها المشاهد من متلقٍ إلى شريك، وإجباره على اتخاذ موقف، وألا يخرج من أمام العمل كما دخل له، بل يخرج محملاً بأسئلة الصراع الذي شاهده. فالفنان الدراماتورجي لا يرسم لمشاهد سلبي، بل لجمهور يجب أن يشترك في الحالة، والرسالة هنا لكسر الجمود المعرفي لدى المتلقي.
– الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد



