كيف غيّر الهاتف المحمول نمط الجلوس العائلي وتلاشى صوت المجلس التقليدي

في زمنٍ كان فيه الجمع حول الصندوق الأسود للتلفاز أو الإذاعة هو سمة الروتين اليومي، كانت الأسرة تجتمع لتبادل الأحاديث وتناول مواضيع تهم جميع أفرادها. كان الحوار يجري بحرية، وتنتشر الضحكات بين الأجيال في أجواء من الألفة والانسجام. ثم ظهر الهاتف الذكي، فاستولى على شاشة التلفاز، وسرق منّا الساعات التي كنا نقضيها أمامه، وأخذ بيدنا على التقويم، مما أدى إلى فقدان الوقت الثمين الذي لا يُسترد.
سرقة لحظات العائلة
تحولت لحظات الجلوس العائلي إلى ساحةٍ لا يترك فيها أحد هاتفه إلا لثوانٍ معدودة، فبدأت ساعاتٍ طويلة تُقضى في التصفح دون أن يشعر أحد بمرور الوقت. انتهى الصمت إلى أن شمل كل أفراد الأسرة: الأب، الأم، والأطفال، حتى الطلاب وجدوا أنفسهم محرومين من النوم والراحة بسبب الإشعارات المستمرة. لم يقتصر الضرر على الوقت فحسب، بل امتد إلى سعادة الطفولة واللعب النقي.
تلاشي المجالس التقليدية
لم يقتصر الأمر على بيوت العائلات فحسب، بل انتشر في مجالس الرجال التي كانت مراكزاً للنقاش وتبادل الخبرات بين الصغار والكبار. كانت تلك المجالس تُعدّ مدرسةً حيةً لتعليم الحياة، حيث يستفيد الصغير من تجارب الأكبر، ويتبادل النصائح. لكن مع انتشار الهاتف، تلاشت تلك الجلسات، وأصبح الصمت يملأ القاعات التي كان يملؤها الحوار.
الرسائل لا تعوض الزيارة
تحولت أساليب التواصل إلى تبادل الرسائل النصية، فصارت الزيارات الشخصية مجرد ذكرى. رغم أن الرسائل تؤدي الغرض، إلا أن لا شيء يعوض اللقاء المباشر وتبادل النظرات. إحدى التجارب التي عايشتها كاتبنا كانت في أمسية شعرية أقيمت قبل عدة أعوام، حيث كان أحد الشعراء يلقى أبياتاً ذات طابع اجتماعي غني بالحكم والنصائح.
في خضم إلقائه، كان معظم الحضور منشغلاً بأجهزتهم، وبعضهم يصدر أصواتاً عالية من مقاطع صوتية دون مراعاة للحدث. توقّف الشاعر متسائلاً: “كيف أستطيع أن أكمل؟” وتبع ذلك صمتٌ غير{}{}{}



