الرئيسيةكتاب و آراءفي يوم الوطن.. السعودية تصنع حداثة...
كتاب و آراء

في يوم الوطن.. السعودية تصنع حداثة لا تشبه إلا نفسها

لستُ ممن يبالغون في إطلاق الشعارات الوطنية؛ فقد سبق أن أوضحت ذلك في مقالين قديمين هما «الشعبوية وقلق المثقف» و«كن وطنياً لا وطنجياً». غير أن الصدق مع النفس يفرض عليّ اليوم، في ذكرى اليوم الوطني، أن أعود إلى مقال نشرته عام 2014 بعنوان «الترهل السياسي في واقع يركض» لأقول إن انتقال النفوذ السعودي من القدرة المالية والنفطية التقليدية إلى نموذج جذب ثقافي ورياضي وسياحي، عبر منجزات من بينها استضافة إكسبو 2030 وكأس العالم، ليس حدثاً عابراً.

إنه تحول سردي أعاد تشكيل صورة الشرق الأوسط في الإعلام الدولي، فلم تعد المنطقة تُعرض بوصفها ساحة حروب، بل أصبحت مركز جذب عالمي. وهذا التحول لا يمثل قفزة لدولة واحدة فحسب، بل هو قفزة للإقليم كله، لو أدرك ذلك من ضاقت رؤيتهم.

عولمة ثقافية بوجه تنموي

قد لا يلحظ من يجهل معنى العولمة أن السعودية أمسكت بزمام العولمة الثقافية في الخليج والشرق الأوسط، وفرضت واقعاً اجتماعياً وثقافياً جديداً يقوم على الانفتاح والابتكار. وبهذا سُحب البساط من الحركات الأيديولوجية المتطرفة، وصُنعت معايير جديدة للحداثة في المنطقة.

هذه المعايير أربكت الزوار حين نظروا إلى المملكة، إذ تجاوزت بساط الحداثة الغربية الجاهز ووضعته في حراج المقلدين، ومدّت بدله بساط حداثتها الأصيلة بوجهها التنموي المزدهر. ويتجلى ذلك حتى في مراسم استقبال الضيوف، حيث تظهر ألوان زهر الخزامى والريحان والعيهلان البنفسجي الذي نراه في ربيع أرضنا، مع فن السدو على أطرافها؛ وطن يعرف هويته ويتقدم مسرعاً نحو المستقبل، تاركاً للمستعجلين عثراتهم.

المسرعون والمستعجلون

لم تدمر الأوطان المسرعون في التنمية، حتى مع ندرة الموارد، كما فعل لي كوان يو مؤسس سنغافورة الحديثة؛ بل دمرها المستعجلون، حتى مع كثرة الموارد، كما جرى مع غورباتشوف في مشروع البيروسترويكا. الأول ركز على بناء دولة القانون وجهاز إداري فائق النزاهة، فكان التغيير سريعاً لأنه يسير على قضبان قانونية صلبة تمنع الفوضى والاحتكار والفساد، مع إيمان بأن حق الإنسان في السكن والعمل والأمن والتعليم والصحة يسبق حقه في الصراخ السياسي.

أما الثاني فقد أطلق الانفتاح السياسي في وقت كان الاقتصاد يعاني طوابير الخبز، فسبقت الفوضى الرخاء، وانقطع خيط الاستقرار.

لذلك تبقى التجربة السعودية تجربة خاصة لا تنافس فيها أحداً، لأنها لا تشبه إلا نفسها. فالجغرافيا وحدها، ومعها التاريخ والموارد والبنية الاجتماعية، تجعل مقارنتها بغيرها ضرباً من الخطأ التحليلي؛ فكما لا تقارن سفينة كروز ضخمة بيخت صغير مهما حمل من إمكانيات، كذلك لا تقاس السعودية إلا بذاتها.

رهان الاعتدال في زمن الحرب الرخوة

ومن المفارقات أن الذين ينكرون على السعودية موقع الأخ الأكبر يدركون في الوقت نفسه أهمية هذا الموقع وانعكاساته في ما يسمى الشرق الأوسط الجديد، ثم يستكثرون عليها أن تقف على الحياد الإيجابي إلى حين اللحظة المناسبة. فالسعودية لم تعتد طيلة تاريخها أن تُفرض عليها أجندة لا تنبع من قناعة سياسية رصينة تراعي السيادة الوطنية حاضراً ومستقبلاً.

ورغم ما أسمعه أحياناً عبر جوالي هذه الأيام من صافرات إنذار، وما أتابعه من بيانات الجهات المختصة، إلا أنني لا أشعر بالقلق. فالسر في بقاء السعودية، ومثلها دول الخليج، أنها لم تدخل نفسها في خطاب قومي تعبوي، ولم ترهن شعبها لشعارات حدية من نوع «إما كل شيء أو لا شيء».

عاش والدي قبلي رهان السعودية بوصفها دولة الاعتدال العربي مع واقعية سياسية، وأعيش اليوم، وقد جاوزت الخمسين، الرهان نفسه. هذا الرهان عبر بنا صراع الحرب الباردة وما فيه من نكسات وانقلابات، ثم عبر بنا زمن الحرب الرخوة منذ ما سمي ربيعاً عربياً أو فوضى خلاقة. وما يزال الخطاب المحنّط يرفع قميص عثمان وفلسطين، كما رفعه عبدالناصر وصدام والقذافي، حتى شوّهوا معنى الشجاعة في عنترة، فسميناها عنتريات، بينما أثبت الواقع أنها دون كيشوتيات تهرب من استحقاقات شعوبها في الأمن والسكن والصحة والتعليم إلى معارك طواحين الهواء.

يوم الوطن: فخر وتواضع

في يوم الوطن، قلبي على السعودية فخراً واعتزازاً، وقد قاربت القرن في يومها الوطني، ومعها فخر بكل دولة عربية وإسلامية وعالمية تشاركنا هم التنمية وسباق الحضارة بكبرياء وفروسية، مع قطع دابر الكبر وما فيه من خسة الأنذال وحسدهم. فالشراكة على هذا الكوكب الصغير تقتضي التواضع ثم التواضع ثم التواضع دون وضاعة، مدركين أن هذا الكوكب في درب التبانة ليس إلا بذرة حياة أصغر من حبة الرمل.