السعودية تتحول إلى مركز إقليمي للأعمال.. 750 شركة ضمن برنامج المقرات وتوسع في الاستثمار الأجنبي

على مدى السنوات العشر الماضية، أعادت المملكة هيكلة جزء كبير من بيئة الأعمال لديها، عبر إدخال تعديلات على الأنظمة، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتطوير الخدمات الحكومية الرقمية، وإنشاء مناطق اقتصادية متخصصة، وإطلاق برنامج يهدف إلى استقطاب المقرات الإقليمية، إضافة إلى توسيع مسارات جذب المواهب والاستثمارات. وكان لهذه الجهود أثر مباشر في تحول الرياض، بشكل خاص، من مجرد سوق رئيسية للشركات العالمية إلى قاعدة تُدار من خلالها عمليات هذه الشركات في المنطقة.
ويُعد برنامج المقرات الإقليمية من أبرز المؤشرات على هذا التحول؛ إذ تجاوز عدد الشركات المنضمة إليه 750 شركة حتى أغسطس 2026، وهو ما يفوق المستهدف الذي كان محدداً بـ500 شركة بحلول 2030، وذلك قبل أربع سنوات من الموعد المقرر.
حضور أجنبي أوسع في الاقتصاد السعودي
لا يقتصر التحول على المقرات الإقليمية فقط؛ فبحسب التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، ارتفع عدد الشركات ذات الاستثمار الأجنبي في المملكة إلى نحو 55 ألف شركة في 2025، مقارنة بنحو 5 آلاف شركة في 2020، مما يعكس توسع قاعدة الوجود الأجنبي في الاقتصاد السعودي.
وأظهر التقرير نفسه ارتفاع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى 35.5 مليار دولار في 2025 وفق التقديرات الأولية، مقابل 31.7 مليار دولار في 2024، في حين بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 293.3 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ260.5 مليار دولار في 2024.
المقرات الإقليمية.. من الرياض إلى بقية المناطق
أُطلق برنامج المقرات الإقليمية في 2021 بهدف جذب الشركات متعددة الجنسيات لإنشاء مراكز لإدارة عملياتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من السعودية. وبحلول نهاية 2025، تجاوز عدد المقرات الإقليمية المرخصة 700 مقر، وتشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 90% منها يتركز في الرياض.
ويستهدف البرنامج جذب الاستثمار الأجنبي، واستقطاب المواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتطوير سوق العمل المحلي. وتكتسب هذه الخطوة أهمية اقتصادية تتجاوز مجرد زيادة عدد الشركات؛ لأن وجود المقر الإقليمي يعني انتقال وظائف وأنشطة ذات قيمة مضافة إلى المملكة، مثل الإدارة الإستراتيجية، والمالية، والموارد البشرية، والاستشارات، والتسويق، والتقنية، وإدارة العمليات.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك حصول مجموعة BNP Paribas على تسجيل استثماري لإنشاء مقر إقليمي في السعودية في أغسطس 2026، لتنضم بذلك إلى المؤسسات المالية العالمية التي توسع عملياتها من المملكة.
إصلاحات تنظيمية وحوافز ضريبية
لم يكن استقطاب الشركات نتيجة الحوافز المالية وحدها، بل جاء بالتوازي مع إعادة صياغة البيئة التنظيمية. ففي 2025 دخل نظام الاستثمار المحدث حيز التطبيق، ليحل محل نظام الاستثمار الأجنبي السابق، ويضع المستثمر المحلي والأجنبي ضمن إطار تنظيمي موحد، مع التأكيد على المساواة في المعاملة في الظروف المماثلة، وحماية الاستثمار، وحقوق الملكية الفكرية.
كما استبدل النظام الجديد مفهوم ترخيص الاستثمار الأجنبي بآلية التسجيل، وقدم مركزاً موحداً لخدمة المستثمرين بهدف تسهيل التسجيل وتأسيس المنشآت والحصول على التراخيص والتعامل مع الجهات الحكومية ذات الصلة. وتزامن ذلك مع تحديثات تشريعية أخرى؛ إذ أشار صندوق النقد الدولي في تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن تحديث نظام الاستثمار، ونظام السجل التجاري الجديد، وتعديلات نظام العمل، وغيرها من الإصلاحات، تعزز اليقين التعاقدي وبيئة الأعمال.
إلى جانب الإصلاح التنظيمي، قدمت المملكة حزمة حوافز مخصصة للمقرات الإقليمية. وتنص القواعد الضريبية على إخضاع الدخل المؤهل للمقرات الإقليمية لضريبة دخل بنسبة 0% لمدة 30 عاماً قابلة للتجديد، وفق الشروط والأنشطة المؤهلة، كما تمتد المعاملة الضريبية الصفرية إلى بعض المدفوعات المؤهلة الخاضعة لضريبة الاستقطاع. وتشكل هذه الحوافز جزءاً من منظومة أوسع تشمل المناطق الاقتصادية الخاصة، وتطوير المراكز المالية، والخدمات الرقمية، والبنية اللوجستية، إلى جانب منصة «استثمر في السعودية» وما توفره من فرص وقطاعات وخدمات للمستثمرين.
الكفاءات والبنية التحتية.. المرحلة التالية
المرحلة التالية في التحول تتمثل في العنصر البشري؛ فالشركة العالمية لا تحتاج فقط إلى مكتب أو عنوان قانوني، وإنما إلى سوق عمل قادرة على توفير الكفاءات التي تدير عملياتها الإقليمية. وتشير وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية إلى أن المملكة تعمل على جذب واستبقاء المهنيين المهرة في مجالات مثل الهندسة والتقنية والرعاية الصحية والمالية، بالتوازي مع إصلاحات سوق العمل وبرامج تطوير المهارات.
كما ارتبطت إصلاحات سوق العمل بتوسيع مشاركة السعوديين ورفع قدرتهم على شغل الوظائف النوعية التي يولدها الاقتصاد الجديد. وفي الربع الثاني من 2025 بلغ معدل المشاركة في قوة العمل 67.1%، فيما وصل عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص إلى 2.47 مليون، وفق وزارة الموارد البشرية. وبذلك يصبح استقطاب الشركات العالمية جزءاً من معادلة أوسع تتمثل في استقطاب الشركة، ثم الوظيفة، ثم الخبرة، ثم نقل المعرفة إلى الاقتصاد المحلي.
وتكشف خريطة المقرات الإقليمية عن تركّز واضح في الرياض، التي تستفيد من موقعها كمركز إداري ومالي، ومن توسع البنية المكتبية والخدمات المهنية والمالية والاستشارية. ويشير تقرير رؤية السعودية 2030 لعام 2025 إلى أن مركز الملك عبدالله المالي شهد توسعاً في النشاط التجاري، مع أكثر من 580 ألف متر مربع من المساحات المكتبية المؤجرة، و28 ألف موظف، وأكثر من 140 شركة محلية ودولية و19 مقراً إقليمياً ضمن البيانات الخاصة بالمركز.
لكن التحول لا يقتصر على العاصمة؛ فجدة تؤدي دوراً في التجارة والخدمات والسياحة واللوجستيات، فيما تتمتع المنطقة الشرقية بثقل الطاقة والصناعة والخدمات المرتبطة بها، وتوفر المناطق الاقتصادية الخاصة منصات متخصصة للقطاعات ذات الأولوية. وهكذا تتشكل داخل المملكة منظومة مدن وقطاعات متكاملة، بدلاً من الاعتماد على مركز أعمال واحد.
يتطلب تحويل الدولة إلى مركز إقليمي للأعمال أكثر من إصدار الأنظمة والحوافز؛ فالشركات العالمية تحتاج إلى اتصال جوي، وبنية رقمية، وخدمات مالية، وموانئ، وسلاسل إمداد، ومساحات مكتبية، وبيئة حضرية قادرة على استيعاب الموظفين والزوار. ولهذا تزامنت إصلاحات بيئة الأعمال مع توسع الاستثمار في البنية التحتية والمناطق الاقتصادية والمدن المالية والصناعية. ويربط تقرير رؤية 2030 بين تحسن بيئة الاستثمار وتطوير المناطق الاقتصادية والمدن الصناعية والمراكز المالية، إلى جانب تبسيط الوصول إلى الفرص الاستثمارية.
وتكمن أهمية التحول في أن المقر الإقليمي لا يعمل بمعزل عن الاقتصاد المحلي؛ فوجود شركة عالمية في المملكة يخلق طلباً على الخدمات القانونية والمحاسبية والاستشارية والتقنية والعقارية والمالية، ويرفع الطلب على الكفاءات، ويزيد الإنفاق المحلي، ويفتح قنوات لنقل المعرفة والخبرات، كما يمكن أن يدعم الشركات السعودية التي تدخل في هذا السياق. وهنا تتحول المنافسة من جذب «رأس المال» إلى جذب منظومة القيمة الاقتصادية المصاحبة لرأس المال.
ويؤكد صندوق النقد الدولي أن المملكة نفذت منذ 2016 إصلاحات واسعة في تنظيم الأعمال والحوكمة وسوق العمل والأسواق المالية، وأن هذه الإصلاحات أسهمت في تضييق الفجوات مع اقتصادات الأسواق الناشئة الأكثر تقدماً في هذه المجالات. كما أشار إلى أن الإصلاحات التنظيمية الأخيرة يمكن أن تعزز اليقين التعاقدي والإنتاجية. لكن التقرير نفسه يضع التحول في إطاره الواقعي؛ فاستمرار جذب الاستثمار يتطلب مواصلة تطوير البيئة التنظيمية، وتقليل العوائق الإدارية، وتعزيز مواءمة المهارات مع احتياجات سوق العمل. كما أشار إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي لا تزال دون الهدف الأصلي لرؤية 2030 كنسبة من الناتج المحلي.
وبذلك، فإن قصة السنوات العشر الماضية ليست نهاية المنافسة على الاستثمار، بل انتقال المملكة إلى مرحلة جديدة منها: المنافسة على المقر، والكفاءة، والمعرفة، والوظيفة النوعية، وسلسلة القيمة.



