الرئيسيةتكنولوجياالذكاء الاصطناعي يفتح باب الجامعة أمام...
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يفتح باب الجامعة أمام الجميع.. لكن بثمن

لطالما قامت علاقة ضمنية بين الفرد والجامعة على مدى أكثر من مئة عام: امنحها سنوات عمرك، وتعطيك فرصة أفضل في الحياة. فكلما زادت سنوات الدراسة، وارتقى مستوى المؤسسة التعليمية، وارتفعت الشهادة، دخل الخريج سوق العمل ومعه ميزة يصعب على غيره تعويضها. الجامعة لم تمنحنا مجرد ورق نُعلقه على الجدران، بل منحتنا المعرفة، واللغة المهنية المتخصصة، وأسلوب التفكير، والقدرة على مقاربة المشكلات المعقدة وفهمها. لكن ماذا يحدث حين تصبح بعض هذه المزايا في متناول كل من يحمل هاتفاً ذكياً؟

دراسة تكشف تقلص الفجوة التعليمية

هذا التساؤل خطر ببالي وأنا أقرأ دراسة حديثة بعنوان «هل يضيّق الذكاء الاصطناعي التوليدي فجوات الإنتاجية القائمة على التعليم؟» للباحث غييرمو كروسيس وزملائه. فقد أجرى الباحثون تجربة عشوائية شملت 1,174 شخصاً تتراوح أعمارهم بين 25 و45 عاماً، وطُلب منهم تنفيذ مهمة تحاكي حل مشكلة في بيئة العمل. استعان بعضهم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، بينما واجه آخرون المهمة بدونه. وكانت النتيجة لافتة: تحسّن أداء الجميع تقريباً بفضل التقنية، لكن الأقل تعليماً كانوا الأكثر استفادة. فمن دون الذكاء الاصطناعي، بلغ الفارق في الأداء بين أصحاب التعليم العالي والأقل تعليماً 0.548 انحراف معياري، ثم تقلّص مع الاستعانة بالتقنية إلى 0.139 فقط. وبعبارة أسهل، اختفى نحو ثلاثة أرباع الفجوة.

جامعة في الجيب: الوعد الكبير

تصوّر شاباً ذكياً حالت ظروفه دون التحاقه بجامعة مرموقة. قبل سنوات، كان تقرير مالي معقد، أو دراسة مكتوبة بالإنجليزية، أو مشكلة إدارية غير مألوفة تكفي لكشف حدود ما أتيح له من تعليم. أما اليوم فيستطيع إخراج هاتفه ويقول: اشرح لي هذا التقرير، ما الذي لم أفهمه؟ أعطني مثالاً، اختبر استنتاجي، اعترض عليه، ثم اشرح الفكرة من جديد وكأنني أتعلمها للمرة الأولى. وفجأة يجد في جيبه شبيهاً بالجامعة.

وهنا يبرز سؤال يصعب تجاهله: إذا فقدت الجامعة احتكارها للمعرفة، فما الذي سيبقى من ميزتها؟ فإذا أصبح لدى كل طالب معلم شخصي متاح على مدار الساعة، يعرف مستواه ويعيد الشرح عشر مرات دون ملل، فلماذا نجمع مئات الطلاب ليجلسوا إلى المحاضرة نفسها وبالسرعة نفسها؟

تحذير مهم: الفجوة الأساسية لا تزول

لكن الدراسة تتضمن تحذيراً مهماً. فعندما أُبعد الذكاء الاصطناعي عن المشاركين، عاد جزء كبير من فجوة الأداء. صحيح أن الأقل تعليماً احتفظوا ببعض المكاسب، لكن التقنية لم تمحُ الفروق الأساسية. وهنا يكمن الفرق بين أن تبدو أكثر قدرة لأن تقنية ذكية تجلس بجانبك، وبين أن تصبح أنت أكثر قدرة لأنها علمتك شيئاً. قد يكتب شخص بمساعدة الذكاء الاصطناعي تحليلاً اقتصادياً رائعاً، لكن هل يستطيع الدفاع عنه في اجتماع من دون هاتفه؟ وهل يعرف متى تكون إجابة التقنية خاطئة؟

ربما لهذا لن يقضي الذكاء الاصطناعي على الجامعة، بل سيجبرها على إعادة اكتشاف مهمتها. فالجامعة التي تكتفي بنقل المعلومات ستواجه منافساً لا ينام. أما تلك التي تُعلّم الإنسان كيف يفكر، ويجادل، ويشك، ويجرب، ويميز بين الإجابة المقنعة والإجابة الصحيحة، فقد تصبح أكثر أهمية. وربما تكون جامعة المستقبل أقل اهتماماً بالمحاضرة وأكثر اهتماماً بالنقاش، وأقل انشغالاً بحفظ الإجابة وأكثر اهتماماً بصناعة السؤال. ماذا لو أصبحت الجامعة في جيبك؟