ذكريات أب وأم وعطاء لا ينتهي

الذكر الطيب لمعلمٍ محترم
جلست مع صديقي في عزاء والده، وكان الراحل معلماً نكنّ له الاحترام والهيبة. كنا نصمت عند حضوره، وكان يداعبنا عندما كنا صغاراً ويحثّنا على الاجتهاد في الدراسة. ولاحظت كيف كان طلابه يحرصون على زيارته حتى بعد أن صاروا موظفين، وكيف كانوا يتعاملون معه بكل احترام وتقدير.
وصايا الأم وتوجيهاتها
وقال صديقي: “إن أمه كانت تحرص دائمًا على تنبيهه هو وأخوته إلى ضرورة أن يكونوا مثالاً يُحتذى به، وكانت تقول: ‘لقد تعب والدكم كثيراً وأصبح له بين الناس ذكر طيب؛ كالثوب الأبيض فلا يصح أن تلطّخوه بأعمال صبيانية’.”
طلاب يظلون ملجئين للمعلمين بعد التخرج
وأذكر أن أحد المعزين، وكان من طلابه السابقين قال وهو يعزّي صديقي: “إنهم كانوا يلجؤون إليه لحل المشكلات التي تواجههم حتى بعد تخرّجهم من المدرسة، وكانوا يحرصون على ألّا يفعلوا ما يغضبه”. ثم التفت الرجل إلى صديقي، وقال: “لم أرَ أباك غاضباً إلا قليلاً وإذا غضب فإنه يهدأ سريعاً”.
تأملات في المكتب والصور
بعد انتهاء العزاء أصرّ صديقي على أن أبقى معه، وأخذني إلى غرفة مكتب والده فوجدتها مليئة بالكتب والأوراق، التي تناثرت على مكتبه. ثم أراني بعض الصور لوالده مع أصدقائه، وكانوا من رجال المجتمع المعروفين الذين تركوا بصماتهم في محيطهم، وأسهموا في خدمة الناس والمجتمع. قال صديقي، وهو يتأمل الصور: “كلما تذكرت أبي وأصدقاءه وما كانوا يقدمونه للمجتمع، ازددت يقيناً بأنني كنت محظوظاً بأني ابنه. وكثيراً ما أتساءل هل يمكنني أن أصل إلى شيء من المكانة التي حظي بها بين الناس”؟ قلت له: “لقد كان آباؤنا من جيل تعب كثيراً، وتحمل مسؤوليات كبيرة، وقدم الكثير لمن حوله. وتركوا لنا القيم التي غرسوها في نفوسنا والقدوة التي تعلمنا منها قبل أن نسمع منهم الكلمات والسيرة الطيبة التي نفخر بها”. ولعلنا حين كبرنا أدركنا أن ما قدمه الآباء والأمهات لم يكن يقتصر على ما رأيناه بأعيننا أو سمعناه منهم، فقد كانت هناك لهم تضحيات كثيرة لم نعرف عنها شيئاً، ومواقف تحملوا فيها المشقة من أجلنا، وأعمال خير قدموها للآخرين دون أن ينتظروا جزاءً أو شكورًا. إن الله- عز وجل- أوصانا بالإحسان إلى الوالدين وأمرنا ببرّهما، لأن ما قدماه لنا أكبر من أن نحيط به وأعظم من أن نستطيع الوفاء بحقهما كاملاً. ويروى أن عبدالله بن مسعود كان يقوم الليل، وينظر إلى ابنه الصغير، وهو نائم ويقول: “من أجلك يا بني” ويتلو قوله تعالى “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً”.










