بعد 61 عاماً من الصدور.. صحيفة الرياض تودع نسختها الورقية وتتحول إلى النشر الرقمي

في 24 أغسطس 2026، ودّعت صحيفة «الرياض» نسختها الورقية بعد أكثر من ستة عقود من الصدور، لتنطلق في مرحلة النشر الرقمي. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في وسيلة التوزيع، بل حمل معه ذكريات عميقة لأجيال عاشت مع الصحيفة منذ انطلاقتها في الأول من مايو 1965، حيث كانت جزءاً من يوميات العائلة السعودية ونافذة مبكرة على الأخبار، ومدرسة غير معلنة قادت الكثيرين من شغف القراءة إلى الكتابة الصحفية.
خمسة عقود من الذكريات مع الصحيفة
بدأت علاقة الكاتب بالصحيفة من الرياضة، وتحديداً من متابعة كأس العالم في ألمانيا الغربية عام 1974، ثم تطورت في ثمانينيات القرن الماضي عندما بدأ يكتب في صفحة «الرأي للجميع»، قبل أن يجد مساحة أخرى في صفحة الشباب من خلال عمود «سطور حرة». كانت تلك المشاركات الأولى تعني له الكثير؛ فرؤية اسمه منشوراً في صحيفة كان ينتظرها ويقرأها بشغف، كان شعوراً يصعب وصفه.
ولعل أكثر ما يختصر تلك المرحلة ذكريات تصفيات كأس العالم في إسبانيا عام 1982، عندما كان الخبر يحتاج إلى أن يصل إلى الصحيفة أولاً، ثم ينتظره القارئ. في وادي الدواسر، كان الكاتب ينتظر سيارة الصحف القادمة من الرياض، والتي كانت تصل إلى الطريق العام قبل أذان الفجر؛ كان وصول «الرياض» وقتها بالنسبة له موعداً يومياً يصل معه العالم إلى المكان الذي يعيش فيه.
من سيارة الصحف إلى الشاشة
لم تقتصر علاقة الكاتب بالصحيفة على القراءة؛ فقد كان الأستاذ محمد الماحي، العامل في قسم التصحيح، من الأشخاص الذين ارتبطوا بمرحلة مهمة من تجربته معها، وأسهم بعد الله في وصول كثير من المواد التي كان يرسلها بالبريد إلى الصحيفة. يومها كان الكاتب يكتب مادته ويراجعها ثم يرسلها، وبعدها تبدأ رحلة انتظار طويلة بلا بريد إلكتروني أو إشعار بوصول المادة أو معرفة فورية بمصيرها.
اليوم تغيّر كل شيء؛ فالصحيفة التي كانت تصل قبل الفجر أصبحت تصل إلى الهاتف والشاشة في لحظتها، والمادة التي كانت تحتاج إلى رحلة عبر البريد يمكن أن تصل إلى غرفة التحرير خلال ثوانٍ. في المقابل، بقي جوهر الصحافة كما هو: خبر موثوق، وكلمة مسؤولة، ورأي، وتحقيق، ومعلومة تترك أثراً لدى القارئ.
بداية جديدة لا نهاية
لذلك لا ينظر الكاتب إلى انتقال «الرياض» إلى النشر الرقمي بوصفه نهاية، بل باعتباره بداية لمرحلة جديدة من حضورها. فالورق غادر المشهد، لكن الصحيفة لم تغادر قارئها، وستواصل حضورها عبر منصاتها الرقمية ونسخها الإلكترونية، وهي أدوات تتيح لها الوصول إلى أجيال جديدة وفي أوقات مختلفة وبطرق لم تكن متاحة في زمن الانتظار أمام سيارة الصحف.
أما الكاتب، فسيظل يحتفظ بعلاقته معها كما بدأت: قارئاً ينتظرها قبل الفجر، ثم كاتباً وجد اسمه بين صفحاتها. وسيبقى العدد الورقي الأخير شاهداً على مرحلة من العمر، لا على نهاية الحكاية. فالصحيفة قد تغير شكلها، لكن الشغف بالكلمة لا يتغير. و«الرياض» التي وصلت يوماً إلى وادي الدواسر محمولة في سيارة صحف قبل شروق الشمس، تصل اليوم إلى العالم كله عبر شاشة صغيرة. غادرت «الرياض» الورق، لكنها لم تغادر الذاكرة… وما بدأ ذات فجرٍ بعيد، سيواصل حضوره في زمن الشاشة.










