«الإعلامي الصغير»: مشروع يزرع الثقة في نفوس الأطفال ويصقل مواهبهم الإعلامية

في كل بلدٍ تُقَدَّر الاستثمارات بأكثر من مجرد الأرقام أو العوائد المالية، إذ تُعَدُّ استثمارًا في الإنسان. وعندما يكون هذا الإنسان طفلاً، يتحول العائد إلى مستقبلٍ كامل يُبنى أمام أعيننا.
رؤية البرنامج
ليس «الإعلامي الصغير» مجرد دورة تدريبية أو فعالية موسمية تنقضي مع انتهاء أيامها؛ بل يُنظر إليه كمشروع وطني صغير الحجم، لكنه كبير الأثر. يهدف إلى زرع الثقة في نفوس الصغار قبل أن يُدرّبهم على الوقوف أمام الكاميرا، ويسهم في بناء شخصياتهم قبل أن يتقنوا إمساك الميكروفون.
مبادرة جمعية إعلاميي الحدود الشمالية
أطلقت جمعية إعلاميي الحدود الشمالية هذه المبادرة التي تتجاوز حدود الإعلام ذاته، لتسعى إلى اكتشاف مواهب الأطفال والناشئة في سن مبكرة وصقلها عبر التدريب على الإلقاء، التحكم بالصوت، فنون الحوار والمقابلات، صناعة المحتوى الرقمي، وتنمية الشخصية. تمزج الرحلة التعليمية بين المعرفة والتجربة، وبين الموهبة والممارسة.
التجربة العملية وتجاوز القاعات
ما يميز المبادرة أنها لا تقتصر على التلقين داخل القاعات، بل تنقل الأطفال إلى الواقع الحقيقي حيث يكسرون حاجز الخوف ويواجهون رهبة الوقوف أمام الآخرين. من خلال إشراكهم في تغطية الفعاليات وزيارة الجهات الإعلامية الكبرى، يعيش الصغار تجربة الإعلام بكل تفاصيلها، ويتعلمون كيف يسألون، وكيف يستمعون، وكيف يعبرون، وكيف يمثلون أنفسهم ووطنهم بأفضل صورة.
دعم قيادي ومؤيد
لم يأتِ هذا النجاح ليتحقق دون دعم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الحدود الشمالية، الذي آمن برسالة المبادرة وساهم في مساندتها. أشار الأمير إلى أهمية البرامج التدريبية في اكتشاف المواهب الإعلامية الشابة، مؤكداً أن الإعلام شريك في بناء الوعي وترسيخ القيم الوطنية لدى النشء، ودعا إلى تطوير مثل هذه المبادرات لتعزيز مهارات الأجيال القادمة في شتى المجالات.
تحت إشراف رئيس الجمعية الأستاذ ثامر القمقوم، شارك في إنجاح المشروع الإعلاميون المتعاونون، والمعلمون، وأسر الأطفال التي كانت شريكًا حقيقيًا في صياغة هذا النجاح، حيث وضع كل منهم حجرًا في بناء حلم صغير قد يتحول يومًا إلى إعلامي مؤثر أو قائد أو مفكر.
لحظات على الشاشة
أتيحت لي الفرصة لمتابعة إحدى اللقاءات التلفزيونية التي جمعت ثلاثة من خريجات البرنامج: الطفلة سارة السويلمي، والطفل يوسف العنزي، والطفلة أروى المطرفي. لم ألاحظ أطفالًا يقتصرون على حفظ النصوص أو ترديد العبارات، بل رأيت شخصيات صغار تحمل حضورًا كبيرًا، تدفقًا لغويًا مدهشًا، جرأةً في الطرح، ثقةً بالنفس، وسلامةً في التعبير، واختيارًا دقيقًا للألفاظ. شعرت حينها أن المستقبل يرسل رسائل مطمئنة تقول: لا تقلقوا، فالقادم أجمل.
أدركت أن الطفل إذا وجد من يؤمن به، يمنحه الفرصة، ويحتضن موهبته، يستطيع أن يدهش الجميع؛ فالموهبة لا تنبت وحدها، بل تحتاج إلى من يرويها بالصبر، ويصقلها بالتدريب، ويوفر لها مساحة للتعبير.
آمال وتطلعات
أتوجه بأسمى عبارات الشكر إلى جمعية إعلاميي الحدود الشمالية على هذه المبادرة الملهمة، وإلى رئيس الجمعية الأستاذ ثامر القمقوم وجميع منسوبي الجمعية والإعلاميين المتعاونين والمعلمين وأسر الأطفال الذين كانوا شركاء حقيقيين في صُنع هذا النجاح.
تتمثل أمنيتي الصادقة في أن لا تبقى هذه التجربة الجميلة حكراً على منطقة الحدود الشمالية، بل أن تتحول إلى مشروع وطني يُعمَّم على جميع مناطق ومحافظات المملكة، فكل مدينة سعودية تضم أطفالًا يحملون مواهب تنتظر من يكتشفها، وأصواتًا تستحق أن تُسمع، وأحلامًا تبحث عن نافذة تُظهرها للعالم.
إن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في المباني ولا في الأجهزة، بل في الطفل الذي نُحسّنه اليوم ليصبح الإنسان الذي نفخر به غدًا. إذا كان الإعلام يصنع الرأي العام، فإن صُنع الإعلامي يبدأ من طفل وجد من يؤمن بحلمه، ويقوده بيده نحو المستقبل.



