بين الرفث والفسوق والجدال: آداب الحج ورسالة المملكة في خدمة ضيوف الرحمن

منذ أن تشرفت المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين، وهي تتعامل مع ضيوف الرحمن لا باعتبارهم زواراً عابرين لموسم مؤقت، بل بوصفهم أصحاب رسالة شرف ومسؤولية تاريخية عظيمة تمتد جذورها إلى عهد نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل -عليهما السلام- حين بنيا الكعبة المشرفة، وكُلِّفا بتطهير البيت المعظم لمرتاديه ممن يبتغون وجه الله.
تطهير البيت للطائفين والعاكفين
يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: “وطهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود”. فالبيت الحرام لا يقصد إلا لمن أراد وابتغى وجه الله، سواء لحج أو عمرة أو زيارة تهدف إلى راحة النفس وهدوئها وخلوتها مع الله في بيته المعظم. وليس البيت الحرام والمشاعر المقدسة بحاجة لمن قدموا لغير الله، أو لنشر الفوضى، أو عدم الالتزام بالتعليمات والآداب الواجبة في حضرة بيت الله ومقدساته.
ولهذا جاء النص القرآني: “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج”. ومن أهم مقومات قبول الأعمال أن يتقي الله ويستحي منه من وطأت قدماه بيته ومشاعر العبادات المختلفة في الحج والعمرة؛ ففي حضرة الله -عز وجل- يبدي المسلم ضعفه وحاجته وفقره إليه، وينسى قوته وسطوته والدنيا وما فيها، متقرباً إلى الله، عله يخرج من حجته كيوم ولدته أمه.
الحاج الصادق المخلص لا يأتي بنقيصة
الحاج والمعتمر الباغي وجه الله، الصادق المخلص، لن تأتي منه نقيصة يأثم بها، ولن يؤذي الآخرين، ولن يجترئ على الفسوق والعدوان أو تنفيذ الإساءات التي تقوده إلى ما يبغضه الله ورسوله. والله -عز وجل- يكره المفسدين المخربين ذوي النوايا السيئة. الحجاج ينشدون رضاء الله وقبول أعمالهم، وقد هيأت لهم المملكة من الخدمات ما يجعلهم في نعيم، فمن حقهم الراحة في مخيماتهم بعيداً عن الجدال والنميمة والغيبة والألفاظ البذيئة، أو القسوة في التعامل مع الآخرين التي تزعجهم وتضايقهم.
المملكة: قبلة المسلمين ونموذج عالمي في إدارة الحشود
ومما كرم الله به هذه البلاد أن جعلها قبلة المسلمين خمس مرات في اليوم، تتجه إليها الأنظار بشوق ولهفة كل عام في الحج ومواسم العمرة. لقد كانت المملكة فوق مستوى ما يحلم به ضيوف الرحمن من تأمين راحتهم ورفاهيتهم في الحج، مما جعلها في قائمة الناجحين في إدارة الحشود على مستوى العالم. تستقبل ملايين الحجاج والمعتمرين بقلوب محبة، وتسخر لهم كل الإمكانات منذ وصولهم وحتى مغادرتهم، وتضع بين يديهم كل الخدمات الراقية الصحية والتقنية والأمنية؛ ليؤدوا مناسكهم في أمن وطمأنينة.
تبرز جهود المملكة في الحج كنموذج عالمي فريد في الإدارة والتنظيم، بل إنها تعد مدرسة يحتذى بها في هذا المجال. ومما يشاهده العالم ويلمسه الحاج كيف تتحول المشاعر المقدسة إلى منظومة متكاملة تعمل بدقة تقنية عالية، تشارك فيها جميع الجهات الحكومية والخدمية والمتطوعون من الشعب السعودي، والكل يعمل بجد وإخلاص تحت إشراف القيادة الرشيدة التي جعلت خدمة الحجيج أولوية كبرى وشرفاً دينياً عظيماً.
تقنيات متطورة وبنية تحتية متكاملة لراحة الحجاج
أما الجانب التقني لخدمة الحجاج، فقد أولته المملكة عناية واهتماماً فائقين، فأطلقت تطبيقات ذكية وخدمات إلكترونية متعددة تساعد الحجاج في تنقلاتهم ومعرفة الأماكن المقدسة، وتنقلهم داخل الحرم والمشاعر، مما جعل تجربة الحج أكثر سهولة وتنظيماً وراحة. وفيما يتعلق بالطرق والمواصلات، فقد شهدت مكة المكرمة والمشاعر المقدسة نقلة نوعية في الطرق والجسور والأنفاق وقطار المشاعر والمرافق الحديثة؛ من أجل راحة الحجاج.
إن ما تقدمه المملكة لخدمة ضيوف الرحمن ليس عملاً موسمياً فقط، بل هو رسالة دينية وإنسانية وتكليف إلهي عظيم تتوارثه الأجيال منذ عهد سيدنا إبراهيم وإسماعيل، وانبثاق بئر زمزم، حتى وصل إلى العهد المبارك الذي نحن فيه. وفي كل موسم تتقدم الخدمات بشكل مذهل، فأصبح الحج متعة بعد أن كان مشقة. نسأل الله أن يحفظ بلادنا، ويحفظ الحجاج، ويتقبل منهم.



