وداع الرجال.. عبد الله الساكت يرحل على سجادته ويترك سيرة عطرة

كلتا الكلمتين تحملان ثقلاً وألماً، فالأولى موجعة دائماً، فكل رحيل قاسٍ وكل ذهاب مؤثر، فكيف إذا كان رحيلاً لا عودة بعده؟ والثانية تهز الأرض وتحرك الساكن وتغير الأحوال، فالرجولة لا تُكتسب بتعاليم وحدها، ولا تتشكل بالتربية فقط، ولا تكتمل بالعادات والتقاليد فحسب، بل الرجل يوصف بذلك لأنه يحتمل، نعم يحتمل كل شيء، وهذا قدر الرجال.
الرجل يحتمل الأذى والألم والجوع والفقر والعطش، لا أقول إنه يحتمل كل الصعاب فحسب، بل أريد أن أوصل إلى فكرة أولية وبدائية مفادها أن احتماله كبير وطويل ومرهق، وإلا لما وصف بذلك. فالشريعة السمحة جعلت ذلك منهجاً يستقر به الحال، فالأمانة التي كُلّف بها لم يُكلّف بها غيره، والمسؤولية الواجبة عليه تتضاعف، فبيده القوامة وعليه المسؤولية، وشهادة رجل بشهادة امرأتين، ولن أدخل في تفاصيل أكثر فالمجال لا يتسع لذلك.
رحيل مؤلم وحسن خاتمة
أقول إن رحيل الرجل موجع جداً، وفقدانه أليم ومؤثر، وتلك حكمة الله في خلقه وسنة الحياة كما يقال. لا اعتراض ولا نقاش، وإنما تسليم وإيمان بقضاء وقدر، والحمد لله على كل حال.
توقفت كثيراً أبحث عن طيب الذكر وصاحب السيرة العطرة، الوالد عبد الله الساكت، الذي وافته المنية يوم الجمعة عصراً وهو على سجادته. وكما يقول ابنه الصديق العزيز بندر: لم يكن والدي – رحمه الله – يشكو مرضاً أو ألماً. حينما استفسرت هل كان يشتكي من شيء أو يعاني علّة؟ فأجاب: على الإطلاق، بل استغربنا كلماته التوديعية في آخر أيامه، وحرصه على جمع المقربين من أصدقائه وكأنه أيقن أنه راحل!
ابتسامة دائمة وأخلاق رفيعة
لم ألتقِ أبا خالد كثيراً، نظراً لتنقله الدائم حسب طبيعة عمله، ولكن السمة الأجمل في البشر لمعت في ذاكرتي مباشرة، وهي تبسمه الدائم – غفر الله له. فالرجل كما عرفته، وتحت أي ظرف تراه بشوشاً متهللاً، مرحباً عطوفاً. لم أسمع عنه شدة أو غلظة في غير محلها، بل كان رزيناً متأنياً، يأخذ الأمور بروية وحكمة، لا يحب النزاع والشقاق. فرحم الله رجلاً ترك المراء ولو كان صادقاً، وأكمل بها من خصلة طيبة تكفي المرء دهره كله، ناهيك عن مناقب ذلك الرجل البشوش والوجه الضاحك الذي أسأل الرب أن يجعلها على وجهه ويجمعنا به ووالدينا في جنات النعيم.
إرث الذكر الحسن
عملت بحثاً سريعاً فوجدت الجميع يجمع على مآثره، والبعيد قبل القريب يعدد صفاته الحسنة ودماثة أخلاقه. كلنا راحلون وكلنا ماضون، ولكن ماذا سنترك؟ الإرث الأعظم في هذه الحياة لا يأتي به المال، ولا يجلبه الجاه، ولا يهبه النسب ولا المنصب، بل هو الصيت الحسن والسمعة الطيبة، التي يظن صاحبها أنه ليس منها ويسعى جاهداً طيلة حياته ألا تمس سيرته بسوء، ولا يوصم بعيب أو عار يلحقه حتى بعد رحيله.
الجميع يرجو الذكر الحسن والوصف الحميد والمكانة الراقية بين الناس، ولكنها مكانة صعبة الوصول، ومن بلغها تضاعفت عليه صعوبة المحافظة عليها وعدم الاقتراب منها بشيء يعكر صفوها وجمالها. رحم الله الوالد أبا خالد، وجعل منزلته عالية في جنة خالدة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والحمد لله على قضائه وقدره.



