السعودية تعزز مكانتها كسوق رائدة للأمن السيبراني وتستثمر في القدرات

مستوى النضج والإنفاق في قطاع الأمن السيبراني
أكد محمد هاشم، المدير العام لكاسبرسكي في السعودية والبحرين، أن المملكة رسخت موقعها كواحدة من أكثر أسواق الأمن السيبراني تطوراً ونمواً في المنطقة. وعزا هذا التقدم إلى توسع مشاريع التحول الرقمي، وزيادة الاستثمارات الموجهة لحماية البنية التحتية الحيوية، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز استعداد الجهات الحكومية والخاصة لمواجهة التهديدات الإلكترونية المتزايدة.
وأشار هاشم إلى أن حجم الإنفاق على منتجات وخدمات وحلول الأمن السيبراني في المملكة بلغ 15.2 مليار ريال خلال عام 2024، محققاً نمواً سنوياً نسبته 14 في المائة، استناداً إلى تقرير “المؤشرات الاقتصادية الرئيسة في قطاع الأمن السيبراني لعام 2025” الصادر عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني. وأوضح أن هذه الأرقام تعكس مستوى النضج الذي وصل إليه النظام الوطني، ودرجة الاهتمام الذي توليه المملكة لحماية اقتصادها الرقمي وقطاعاتها الحيوية.
التهديدات السيبرانية والاستهداف الإقليمي
لفت هاشم إلى أن المشهد السيبراني الإقليمي يشهد تطوراً سريعاً في أساليب الهجمات وطبيعتها، لا سيما تلك التي تستهدف أنظمة التحكم الصناعي، وسلاسل الإمداد، وقطاعات الاتصالات، والطاقة، والتصنيع، والخدمات المالية، والرعاية الصحية. وذكر أن 20 في المائة من حواسيب أنظمة التحكم الصناعي في منطقة الشرق الأوسط حظرت برمجيات خبيثة خلال الربع الأول 2026.
وكشف أن باحثي كاسبرسكي رصدوا خلال عام 2026 نشاط 17 مجموعة من مجموعات الهجمات المتقدمة المستمرة في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا، وتركز هذه المجموعات بشكل كبير على الجهات الحكومية وقطاعات الاتصالات والدفاع. وشدد على أن التصدي لهذه التهديدات يتطلب الجمع بين التقنيات المتطورة، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز تبادل المعلومات والتعاون بين القطاع الحكومي، الخاص والمؤسسات الأكاديمية.
القطاعات الأكثر عرضاً والتحديات المستقبلية
في réponse على سؤال عن مستوى نضج الأمن السيبراني في السعودية مقارنة بدول المنطقة، أوضح هاشم أن المملكة قطعت شوطاً كبيراً في بناء منظومة متكاملة للأمن السيبراني، وأصبحت اليوم من أكثر أسواق القطاع تطوراً ونمواً. وأضاف أن هذا التقدم لا يرتبط فقط بحجم الإنفاق والاستثمار، بل يشمل أيضاً تطور الأطر التنظيمية، وارتفاع مستوى الوعي المؤسسي، وتنامي الاهتمام بحماية البنية التحتية الحيوية، وبناء القدرات الوطنية المتخصصة.
وأكد أن الأرقام الواردة في التقرير السنوي للهيئة الوطنية للأمن السيبراني توضح حجم التطور؛ فوفقاً لذلك التقرير بلغ الإنفاق على الأمن السيبراني 15.2 مليار ريال في 2024 بزيادة سنوية 14 في المائة. ويعكس هذا النمو إدراك مختلف القطاعات أن الأمن السيبراني لم يعد مجرد جانب تقني منفصل، بل عنصر أساسي لاستمرارية الأعمال، وحماية البيانات، وضمان موثوقية الخدمات الرقمية.
ولفت إلى أن التركيز الكبير على برامج التحول الرقمي ساهم في رفع مستوى النضج السيبراني داخل المؤسسات السعودية، حيث إن توسع الخدمات الإلكترونية والحوسبة السحابية والأنظمة المتصلة يرافقه اهتمام متزايد بتطوير قدرات الحماية والاستجابة وإدارة المخاطر.
وبيّن أن التقدم في المملكة لا يقتصر على تبني الحلول التقنية، بل يشمل الاستثمار في رأس المال البشري، ونشر الوعي، وتطوير المهارات، وتعزيز التعاون بين الجهات الحكومية والجامعات وشركات القطاع الخاص. وأشار إلى أن هذه العناصر مجتمعة تشكل أساساً مهماً لبناء مرونة سيبرانية طويلة المدى تمكّن المؤسسات من اكتشاف المخاطر مبكراً، والاستجابة لها بسرعة، وتقليل آثارها التشغيلية والاقتصادية.
وأشار إلى أن المملكة تسير باتجاه واضح نحو بناء منظومة وطنية قادرة على مواكبة التغير المستمر في مشهد التهديدات، وهو ما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تطوير اقتصاد رقمي متقدم وآمن، وتعزيز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً للتقنية والابتكار.
خطط كاسبرسكي لتعزيز الحضور والشراكات في السعودية
حول سؤال عن زيادة الهجمات التي تستهدف سلاسل التوريد أو البنية التحتية الحيوية، أوضح هاشم أن التهديدات السيبرانية التي تستهدف البيئات الصناعية والبنية التحتية الحيوية وسلاسل الإمداد ما زالت مستمرة بوضوح، حتى لو تراجعت بعض المؤشرات خلال فترات معينة مقارنة بفترات سابقة. وبيّن أن الانخفاض المرحلي في نسبة معينة لا يعني بالضرورة تراجع مستوى الخطر، نظراً لتغير طبيعة الهجمات وتطور أساليب المهاجمين وأهدافهم.
وأكد أن البيئات الصناعية حساسة لأنها تجمع بين الأنظمة الرقمية والعمليات التشغيلية الفعلية، وأي اختراق ناجح لأنظمة التحكم الصناعي أو أنظمة تقنية التشغيل قد يؤدي إلى تعطيل خطوط الإنتاج، وإرباك العمليات، والتأثير في سلامة المنشآت، وتأخير الإمدادات، ورفع تكلفة استعادة الأنظمة والخدمات.
واستند إلى تقرير فريق الاستجابة لطوارئ أنظمة التحكم الصناعي في كاسبرسكي “ICS CERT” للربع الأول 2026، حيث حظرت 20 في المائة من حواسيب أنظمة التحكم الصناعي في منطقة الشرق الأوسط برمجيات خبيثة. ولاحظ أن هذه النسبة، رغم انخفاضها عن الربع السابق، ما زالت مؤشراً مهماً على استمرار حجم المخاطر التي تواجه المؤسسات الصناعية في المنطقة.
وبين أن قطاع التصنيع يظل الأكثر عرضاً لهذه التهديدات، إذ أظهرت البيانات العالمية أن 16.46 في المائة من حواسيب أنظمة التحكم الصناعي في قطاع التصنيع حظرت برمجيات خبيثة خلال الربع الأول 2026. وأضاف أن هذا الرقم يكتسب أهمية إضافية نظراً لارتباط التصنيع بشبكات واسعة من الموردين والمقاولين ومقدمي الخدمات، ما يزيد عدد نقاط الاتصال ويوسع نطاق المخاطر المحتملة.
وأوضح أن الهجمات التي تستهدف سلاسل الإمداد قد تبدأ من مورد أصغر أو مزود خدمة يملك صلاحية محدودة أو اتصالاً تقنياً بالأنظمة، وقد يستغل المهاجمون هذه العلاقة للوصول إلى أهداف أكبر، لذلك يجب على المؤسسات ألا تقتصر على حماية أنظمتها الداخلية، بل تشمل إدارة المخاطر جميع الأطراف المرتبطة بسلسلة الإمداد.
ونوّه إلى أن حماية هذه البيئات تتطلب نهجاً متعدد المستويات يجمع بين مراقبة الأنظمة، وتحديث البرمجيات، وتقسيم الشبكات، وإدارة صلاحيات الدخول، وتدريب العاملين، وإعداد خطط واضحة للاستجابة للحوادث، مع الفصل قدر الإمكان بين أنظمة تقنية المعلومات وأنظمة تقنية التشغيل، ومراقبة نقاط الاتصال بينهما بصورة مستمرة.
وبخصوص القطاعات المتوقعة أن تشهد ارتفاعاً في حجم التهديدات السيبرانية خلال العامين المقبلين، توقع هاشم أن تبقى الجهات التي تدير بيانات حساسة، أو تقدم خدمات أساسية، أو تشغل بنية تحتية حيوية في مقدمة أهداف المهاجمين، وتشمل ذلك الجهات الحكومية، وقطاعات الاتصالات والدفاع، والخدمات المالية، والرعاية الصحية، والطاقة، والتصنيع.
وأشار إلى أن كاسبرسكي تواصل رصد نشاط مجموعات الهجمات المتقدمة المستمرة (APTs)، وهي هجمات معقدة وطويلة الأمد تنفذها جهات ذات قدرات تقنية وتنظيمية متقدمة، وتهدف إلى البقاء داخل الأنظمة لفترات طويلة، وجمع المعلومات، ومراقبة الاتصالات، والوصول إلى بيانات ذات قيمة استراتيجية.
وكشف أن الباحثين رصدوا خلال عام 2026 نشاط 17 مجموعة من هذه المجموعات في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا، وكانت الجهات الحكومية وقطاعات الاتصالات والدفاع من أكثر الجهات تعرضاً للاستهداف، ما يعكس اهتمام المهاجمين بالقطاعات التي تحمل معلومات حساسة أو تشغل خدمات مرتبطة بالأمن والاتصال والبنية التحتية.
وتوقع أن يستمر قطاع الخدمات المالية في مواجهة محاولات الاحتيال الإلكتروني، وسرقة بيانات العملاء، والاستيلاء على الحسابات، إلى جانب الهجمات التي تستهدف الأنظمة والخدمات الرقمية. كما يواجه قطاع الرعاية الصحية مخاطر متزايدة نتيجة القيمة العالية للبيانات الطبية، وحساسية الأنظمة التي تعتمد عليها المستشفيات والمنشآت الصحية في تقديم خدماتها.
وأوضح أن قطاعا الطاقة والتصنيع تنبع حساسيتهما من الارتباط المباشر بين الأنظمة الرقمية والعمليات التشغيلية، حيث قد لا يقتصر أثر الهجوم على فقدان البيانات، بل قد يمتد إلى توقف الإنتاج، وتعطل الإمدادات، وارتفاع التكاليف، والتأثير في استمرارية الأعمال.
ولاحظ أن العوامل التي ستسهم في زيادة حجم التهديدات خلال المرحلة المقبلة تشمل التوسع في الحوسبة السحابية، والاعتماد المتزايد على الأنظمة المتصلة، وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، وزيادة الاعتماد على الموردين ومقدمي الخدمات الخارجيين؛ فكلما اتسعت البيئة الرقمية للمؤسسة، زادت الحاجة إلى مراقبة الأصول والأنظمة وإدارة الهوية والصلاحيات بصورة أكثر دقة.
وأكد أن على المؤسسات الانتقال من النهج القائم على الاستجابة بعد وقوع الحادث إلى نهج استباقي يعتمد على استخبارات التهديدات، والمراقبة المستمرة، واختبار الجاهزية، وتدريب فرق العمل، ووضع سيناريوهات للتعامل مع مختلف أنواع الهجمات.
وفيما يتعلق بخطط كاسبرسكي المستقبلية لتعزيز حضورها واستثماراتها وشراكاتها في السوق السعودية، قال إن الانطلاقة تنطلق من أهمية الاستثمار في الإنسان بالتوازي مع الاستثمار في التقنية، إذ إن الحلول الأمنية المتقدمة تمثل جزءاً أساسياً من منظومة الحماية لكنها تحتاج إلى كوادر مؤهلة قادرة على تشغيلها، وتحليل نتائجها، والاستجابة للتهديدات، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المطلوب.
وبين أن الشركة تركز على توفير برامج تعليمية وتدريبية متخصصة في الأمن السيبراني تهدف إلى رفع مستوى الوعي، وتنمية المهارات التقنية، والمساهمة في إعداد كوادر وطنية مؤهلة تستطيع تلبية احتياجات سوق العمل المتنامية في المملكة.
وأشار إلى أن كاسبرسكي وسعت خلال الفترة الماضية نطاق شراكاتها داخل المملكة، ومن أبرزها التعاون مع الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة “منشآت” بهدف تسهيل وصول المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى الحلول الأمنية، ومساعدتها على رفع مستوى الحماية لديها.
ولفت إلى أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد وسلاسل الإمداد، لكنها قد تواجه تحديات تتعلق بالموارد والخبرات المتخصصة، ومن هنا تأتي أهمية توفير حلول وبرامج توعية تناسب احتياجاتها وإمكاناتها، وتساعدها على حماية بياناتها وأعمالها وعلاقاتها مع العملاء والشركاء.
وأضاف أن الشركة أقامت شراكات مع عدد من الجامعات السعودية، من بينها جامعة القصيم، لتدريب الطلاب وتعريفهم بالمجالات التطبيقية للأمن السيبراني، ويهدف هذا التعاون إلى تقليص الفجوة بين الدراسة الأكاديمية والمتطلبات العملية لسوق العمل، وإتاحة الفرصة للطلاب للاطلاع على طبيعة التهديدات والأدوات والأساليب المستخدمة في اكتشافها والاستجابة لها.
كما ذكر أن كاسبرسكي تعاونت مع أكاديمية طويق في تنفيذ ورش عمل وبرامج تدريبية متخصصة دعماً لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد رقمي آمن، وتنمية الكفاءات الوطنية في المجالات التقنية ذات الأولوية.
وكشف أنه في أبريل 2026 أطلق البرنامج “Cyber Generation” في المملكة، الهادف إلى تدريب وتأهيل وتوظيف الخريجين السعوديين الجدد في مجال الأمن السيبراني، ويركز البرنامج على منح المشاركين المعرفة والمهارات العملية التي تساعدهم على بدء مساراتهم المهنية، والمساهمة في تلبية الطلب المتزايد على المتخصصين في هذا القطاع.
وأكد أن الشركة ستواصل خلال المرحلة المقبلة توسيع استثماراتها وحضورها في السوق السعودية من خلال تعزيز الشراكات مع الجهات الحكومية والخاصة والمؤسسات التعليمية، وتنفيذ مزيد من مبادرات التوعية والتدريب، وتطوير أبحاث التهديدات، وتقديم حلول أمنية تساعد المؤسسات على رفع مستوى المرونة السيبرانية.
وختم بأن كاسبرسكي ستستمر في دعم المؤسسات في الانتقال من الحماية التقليدية إلى منظومات أكثر تكاملاً تجمع بين الوقاية والكشف والاستجابة وتحليل التهديدات، مما يمكنها من مواجهة الهجمات المتطورة، وتقليل زمن اكتشافها، والحد من آثارها في العمليات والخدمات.
وأضاف أن الشركة تنظر إلى السوق السعودية بوصفها سوقاً استراتيجية تتمتع بنمو متسارع، وطموح رقمي واضح، واهتمام متقدم بالأمن السيبراني، ومن هذا المنطلق ستعمل على أن تكون شراكاتها ومبادراتها جزءاً من الجهود الوطنية الرامية إلى بناء بيئة رقمية موثوقة، ودعم استدامة التحول الرقمي، وتعزيز أمن المؤسسات والأفراد في المملكة.



