الرئيسيةفنظاهرة التقليد في الإبداع: بين الاستلهام...
فن

ظاهرة التقليد في الإبداع: بين الاستلهام والسطحية

ظاهرة التقليد في الحياة اليومية

من الشائع أن ترى مشروعًا ناجحًا يفتح محله، وبعد فترة قصيرة يمتلئ المكان بنسخ مشابهة تقدم ذات الأطباق أو الألوان، وأحيانًا أسماء تختلف بحرفين فقط لتجنب قضايا الملكية، دون أن تسعى لخلق هوية مستقلة.

عندما تبحث في تطبيقات التوصيل عن أكثر المحلات شعبية، تلاحظ وجود العديد من النسخ التي تحاول جذب الزبائن واستقطاب جزء من نجاح الأصل.

تأملات شخصية حول الدافع وراء التقليد

ملاحظة طويلة لهذه الظاهرة أثارت سؤالًا: لماذا يبدو التقليد في كثير من الأحيان أكثر إغراءً من المحاولة الحقيقية؟

نستهزئ غالبًا عندما نرى دولاً تعيد إنتاج أفلام هوليوود أو تنسخ علامات تجارية عالمية بصورة شبه حرفية، بينما نختار نسخة نحن أكثر هدوءًا من ذات الأسلوب ليس في التجارة فقط بل أيضًا في الفن والإعلان والكتابة وحتى في طريقة تخيلنا للنجاح.

دروس من معلمة سينما وتجربة المونتاج الأولى

قبل تقاعد إحدى معلماتي في مجال الأفلام تركت لي ملاحظة فهمتها فقط بعد سنوات: لا تشغل نفسك بكسر القواعد قبل أن تحقق أول مكسب مالي.

كانت تقصد أن تتقن الحرفة أولًا ثم تمنح نفسك الحرية لتتجاوزها؛ لم تكن تدعو إلى المحافظة بل كانت تذكّرك بأن لكل حرفة لغة لا يمكنك تجاوزها قبل إتقانها.

كل فنان يبدأ كمقلد، لكن ليس كل مقلد يصبح فنانًا.

أتذكر تمرين مونتاج مبكر طلب منا إنشاء فيلم قصير من لقطات عشوائية؛ قضيت ساعات أبحث عن مقطوعة كلاسيكية ثم بنيت التحرير على إيقاعها. عند العرض لقي العمل استحسان معظم الحاضرين وشعرت للمرة الأولى بأنني صنعت شيئًا جميلًا.

بعد العرض أشار أحد الحضور إلى أن ما لفت انتباهه أكثر هو الموسيقى؛ يومها لم ألتفت كثيرًا إلى التعليق ظانًا أنه محاولة لتقليل قيمة العمل.

بعد سنوات عدت إلى ذلك المشهد وأدركت أنني حمّلت الموسيقى مسؤولية الشعور الذي كان يجب أن يولده الفيلم نفسه.

ما يميز العمل الأصلي عن السطح فقط

عند مشاهدة أفلام حالية يمكنني تمييز تأثير مخرجين أحبهم في أعمال أخرى؛ السينما كالأدب والموسيقى تتعلم من نفسها باستمرار وكل جيل يقف على أكتاف من سبقه.

لكن بعض الإنتاجات المحلية تلفت انتباهي بشكل مختلف: أتعرف على مصدر اللقطة قبل أن أتعرف على شخصياتها، وعندما تنتهي أتذكر الأفلام التي استقى منها أكثر من الفيلم ذاته.

المشكلة ليست في الاقتباس فالبناء السينمائي كله استلهام وتأثير؛ بل تكمن في نسخ شكل اللقطة بالكامل ونسيان السبب الذي جعلها تعيش في ذاكرة الناس.

اللقة لا تصبح أيقونية لأنها جميلة؛ بل لأنها ظهرت في لحظة لا يمكن لأي لقطة أخرى أن تحل محلها.

الناس يتذكرون الصورة ليس لجمالها بل لأنها أثارت شعورًا لديهم.

لهذا لا أشعر بالحماس عندما يتحول صنع الفيلم إلى عرض لقدرات الكاميرا أو العدسات أو الدقة أو المؤثرات البصرية؛ هذه أدوات قد تكون مبهرة لكنها ليست الفيلم ذاته.

الفيلم لا يتنفس بعمق البوكيه ولا بحجم العدسة ولا بجمال الحركة؛ بل يتنفس بالقصة والشخصيات وكل قرار اتُخذ لخدمة شعور وليس لمظهر جميل.

لذلك لا أشعر بالحرج عندما أعود إلى أول ما كتبت أو صوّرت؛ بل أشعر بالامتنان.

تمر كل حرفة بمرحلة تبدو فيها محاولات صاحبها ساذجة بل ومحرجة أحيانًا، لكن تلك المرحلة لا تدل على ضعف الموهبة بل دليل على أنها ما زالت تنمو.

تجاوز هذه المرحلة دون خوضها غالبًا لا يقود إلى الأصالة بل إلى تقليد أكثر إتقانًا.

تشير دراسات الإبداع إلى أن رؤية مثال ناجح قبل بدء العمل تجعلنا دون وعي نعيد إنتاج صفاته؛ ظاهرة يسميها الباحثون “التثبيت التصميمي” وربما لهذا يبدو التقليد خطوة طبيعية في بداية أي حرفة.

لكن الحرفة لا تنمو بالتقليد وحده؛ ففي لحظة ما يتوقف الحرفي عن تقليد ما يرى ويستبدل سؤال “كيف فعلها؟” بسؤال “لماذا فعلها؟” فقط هناك تبدأ الحياة.