الرئيسيةعربي و عالميالفن السياسي بين القوة والأخلاق: انعكاسات...
عربي و عالمي

الفن السياسي بين القوة والأخلاق: انعكاسات على التفاوض الدولي

يُعاد النظر في السياسة كحرفة تُعنى بإمكاناتٍ محتملة، فالممكن يُقصد به ما يمكن تحقيقه بين عناصرٍ مختلفة. هل يُقصد بالممكن الصراع بين القوة والحق أم بين القوة والأخلاق؟ يتضح للقارئ أن القوة تُعد ثابتًا في معادلات السياسة، بينما يتقلب الحق والأخلاق كمتغيّرين. بناءً عليه، لا يُعترف بحق السكان الأصليين في أمريكا من قِبل عاقل، في حين يبقى حق الأكراد موضوعًا قابلًا للمفاوضات وفق مفهوم الممكن بين القوة ومبادئ الأخلاق.

مفهوم السياسة كفن للممكن

من هذا المنطلق، تُعرّف السياسة بأنها فنٌّ يوازن بين القوة والأخلاق، ويظهر الحق كنتيجة لتلك الموازنة. فإذا توفّق هذا التوازن بين العنصرين، يُستند إليه في بناء شرعية الدول والأنظمة. ومع هذا الإطار، يُطرح سؤال حول موقف الولايات المتحدة في مفاوضاتها مع أوروبا، روسيا، الصين، والهند، وما أفسده أو أصلحه إدارة ترامب في هذا السياق.

ساحة التفاوض على أرض إيران

يتضح أن مسرح التفاوض الدولي بين القوة والأخلاق قد استقر على أرض إيران، حيث تُظهر المشاهد دمارًا وتدميرًا إلى جانب كل أراضٍ أخرى تُدخل ضمن هذا الميدان. يتبع ذلك تساؤل حول طبيعة القوة: هل تُقاس بالأسلحة التقليدية مثل البوارج والصواريخ، أم بوسائل حديثة كالمركبات الجوية غير المأهولة التي تتجاوز قدرات الدول الإقليمية؟

تفاعلات دولية متعددة الأبعاد

تُشير بعض التحليلات إلى أن الولايات المتحدة ارتقت إلى “شجرة الحرب” دون القدرة على النزول من فروعها، وهو تشبيه يُظهر صعوبة تحقيق واقع تفاوضي شامل. إلا أن النزاع لا يقتصر على أمريكا وإيران فقط، فروسيا ليست في صراعٍ واحدٍ مع أوكرانيا، بل تتداخل فيها آليات سياسية دولية معقدة. تتضمن هذه الآليات قوى متعددة داخل كل دولة، فضلاً عن اختلافات في المعايير الأخلاقية التي تُستند إليها.

في هذا السياق، لا يقتصر مفهوم الممكن على الصراع بين القوة والأخلاق، بل يضم صراعات بين قوى إقليمية وعالمية، وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها. كما يختلف مفهوم الأخلاق بحسب ما يحدده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يفرّق بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.

التفاوت في الاحتياجات الإنسانية

يُظهر توزيع السكان في الصين والهند أن ثلثهم يركّز على الاحتياجات الفيزيولوجية وفق هرم ماسلو، بينما يتراوح الثلث الثاني بين حاجات الأمان والاجتماعية، ويصل القليل إلى مستويات التقدير وتحقيق الذات. أما النسبة المتبقية فتميل إلى الطبقات العليا من الهرم، ما يعكس تنوعًا كبيرًا في مطالب الشعوب.

قواعد الأخلاق بين الاشتراكية والرأسمالية

يستند تعريف الأخلاق إلى ما يحدده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يضمّ «الحقوق المدنية والسياسية» و«الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية». تختلف الدول في إعطاء الأولوية بين نظامين قيميين: الاشتراكية التي تُبرز حقوق العمل، السكن، التعليم، الرعاية الصحية، الضمان الاجتماعي ومستوى معيشي كريم، وهو ما تتبناه الصين؛ والرأسمالية التي تُعلي حرية التعبير، الاعتقاد، الصحافة، التملك، التعاقد، المحاكمة العادلة، والمشاركة السياسية، وهو ما تقوده الولايات المتحدة. يبقى الجدل قائمًا بين التيارات الليبرالية والاشتراكية، مع إشارة إلى أن صراعات الفكر لا تزال مستمرة.

المشهد الدولي بعد التحولات الكبرى

يمكن قراءة مسار التفاوض الدولي كمسعى لإعادة تشكيل النظام العالمي بعد سقوط جدار برلين عام 1989، حيث اتخذت الموجة الغربية اتجاهًا نحو الشرق، ثم عكستها أحداث 11 سبتمبر لتعود إلى الغرب. أدى ذلك إلى إعادة ترتيب قطع شطرنج السياسة الدولية، بما في ذلك هزيمة المشروع الأمريكي في أفغانستان وعودة النفوذ إلى مناطق محيطة مثل الصين وروسيا.

من هذا المنطلق، لا يمكن إغفال دور إيران دون اعتبار القوى الإقليمية المجاورة، وعلى رأسها روسيا والصين. كما يُنظر إلى حزب الله في لبنان كمرآة لفهم ما قد يحدث للحوثيين في اليمن، وكذلك يُستدل على مستقبل إيران من خلال ما يجري في أوكرانيا. يبقى القول مأثورًا: «الزين غالي لكن الأزين أغلى… ولكل شراي بضاعة وسوقي»، وهو ما يعكس طبيعة الصراع السياسي وفنّ الممكنات.