التحليل الإجرائي للمفاهيم في الفكر الإسلامي

المفهوم الإجرائي والمجرد
المفهوم الإجرائي هو notion يجمع خطوات عملية محددة تبدأ من معطيات تُعالج وفق قواعد ومراحل لتصل إلى نتيجة نهائية، مثل عملية القسمة المطوّلة؛ فلا نذكر تفاصيلها دون تسمية الأرقام والنتائج، بل نضعها تحت لفظ جامع هو «القسمة المطوّلة».
بالمقابل، المفهوم المجرد لا يصف إجراءات بل يهدف إلى تحديد الجوهر أو الحقيقة أو الصفات العامة؛ فنقول مثلاً لا نصف لوحاً على أربع قوائم يُؤكل عليه الطعام، بل نطلقه «طاولة»، اسماً جامعاً للوصف والوظيفة، مع إضافة qualifier مثل «لطعام» لتجنب الخلط مع طاولات أخرى.
بهذه الطريقة تُجمّع المفاهيم المجردة أوصافاً وأفعالاً تحت مظلّة اسميّة.
المنطقة الضبابية بين التجريد والإجراء
المنطقة بين التجريد والإجراء ليست حادة؛ فغالباً ما يجمع مفهوم واحد بين الجانبين عند النظر إليه من جهة جوهره أو صفاته الظاهرة ومن جهة فعاليته (العمليات). هذه الفعالية مشروطة بالإنتاجية في التعريفات الأكاديمية المعاصرة، وهو ما يظهر في الأبحاث والرسائل والأطاريح.
خذ مثلاً مفهوم «العلم» في التراث المتأثر بالمنهج اليوناني والأرسطي تحديداً؛ فهو يعجز عن التحديد بالحد لأن طبيعته غير مدركة، وقد يُعرّف بنقيضه «الجهل» أو بمرادفه «المعرفة». التعريف الإجرائي للعلم لم يُستوعب إلا بعد أن سبقته ممارسة تعلم‑تعليم عملي، כך أن إجرائيته سبقت تجريده.
عند توسيع الرؤية لتشمل الإجراء والتجريد معاً تكتسب المفاهيم قوة دافعة؛ قد يشعر مستخدمها بقيمتها الإجرائية أو لا، لكنه يستفيد من ثمارها دون إدراكه لهذه التحولات. وبهذا تظهر قوة إجرائية في مفاهيم أصلها مجرد، ثم تُنظم لتصنيف وصفي للعلوم مثل العقائد، الفقه، والمعاملات، ويستمر أثرها العملي عبر القرون.
التطبيق الإجرائي في الدلالة والبحث
مثال على هذه القوة الإجرائية يظهر في علم الدلالة، حيث باحث يسعى لهدف معين دون أن يدرك أنه وقع على «كنز إجرائي». يمكن تطوير هذه الآليات لتطوير علم الدلالة في مجالات التفسير والحديث. هذا الباحث هو أ.د. إدريس نغش الجابري، الذي قدم سياقاً مفاهيمياً لدلالة «الشك» في القرآن والسنة، غير مقتصر على جمع الاستعارات ثم ترجيح إحداها، بل فرز وربط «الشك» بالذات لا بالموضوع وفق النص القرآني؛ إذ وردت لفظة الشكّ خمس عشرة مرة في خمس عشرة آية، مفردة غير معرفة أو مجموعة، في المجال العقدي: التوحيد، الكتب، الرسل، البينات، والآخرة. الشك في هذه الحقائق ينبع من ذات الشاك، ومطلوب منه البحث عن البراهين لا اعتماد طريقة الشك.
عند الانتقال إلى السنة النبوية بين كثرة ورود اللفظ بين تصنيفَي «الرواية والدراية»، مع توسع دلالته (ويُهمنا منها مجال «الدراية»)، ارتبط الشكّ بالعقيدة، والعبادة (الفقه)، وتجنب الإثم، وطلب الآخرة؛ فهو أكثر ارتباطاً بالعمل في الاستعمال النبوي (عليه السلام)، أما في استعمال الصحابة رضي الله عنهم فقد زاد في الحدود، والشبهات، واللباس، وأكل لحم الحمر الوحشية. وفي السنة يظهر اللفظ معرفةً ونكرة، اسمًا وفعلًا، جمعًا ومفردًا، ودلالته ليست سلبية تؤدي إلى الكفر كما في القرآن، بل هي فعالية إنسانية تبعاً للظروف العملية.
في الفرز الأولي للمعاني استعمل الجابري المفهومين الإجرائيين: العقائد والفقه (الأصول والفروع)، ثم عرّف الشك من حيث معارضته للمبادئ والعقائد بالعلاقة السلبية، بينما المنهج الإنساني التفاعلي والتثبت مرتبط بالجانب العملي الفرعي. ولولا أن سبق تعريفه للشك بتصنيفات مفاهيم مثل العقائد والفقه، لما أمكنه فرز الدلالات.
وبذلك أظهر إمكانية توظيف مفهوم في أصله مجرد (مثل «التوحيد‑الفقه») كمعيار إجرائي لتصنيف مفاهيم أخرى في الحوار الإسلامي، ما يقلل الفجوة بين المعيارية والوصفية. وحين تصبح هذه المفاهيم هياكل ضخمة تضم آلاف المفاهيم والبيانات وتُنظم بقوانين، تكتسب قيمة إجرائية ملحوظة؛ ويمكن تطوير هذه الآليات للتأثيل والبحث والتثبت، مما يدعو إلى إعادة النظر في كثير من الدلالات المفاهيمية.



