الرئيسيةكتاب و آراءتحليل فلسفة ميشيل فوكو حول القوة...
كتاب و آراء

تحليل فلسفة ميشيل فوكو حول القوة والمعرفة والذات وتأثيرها على فهم الذات والحياة

فلسفة فوكو حول القوة والمعرفة والذات

تعتبر رؤية ميشيل فوكو المتعلقة بـ«القوة والمعرفة» ومفهوم «الذات» وتحليل الخطاب من الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها الباحثون في الحقول الثقافية والمعرفية، إذ تُستخدم كمقياس يُقاس به غيره من القضايا، ومع ذلك فإن هناك ميلاً لإعادة صياغة الموضوعات المدروسة لتتناسب مع هذه الرؤية.

الحياة كاختبار وتكوين الذات

إن الأهم لمن يرغب في دخول عالم فوكو وفهم ما وراء هذه الأدوات، إضافة إلى مضمونها ووظيفتها، هو الإلمام بالمعاني الكبرى التي يركز عليها: الحياة والذات. ويرى أن الحياة تمثل مجال الوجود الإنساني، بينما تتقلّب الذات البشرية بين مفهوم الواجب وواقع التجربة.
في مؤلّفه «تأويل الذات» يصف فوكو الحياة بأنها اختبار مستمر يستلزم إعداد الذات القادرة على خوضه، بحيث يكون كل فرد مستعداً وفقاً لاختباراته الخاصة، ويخرج من هذه الاختبارات نقياً غير مشوّه، مبنياً علاقةً consigo mismo. ويقسم هذه الاختبارات إلى نظامين عامين: نظام تمارين الإعداد ونظام المحن والتجارب.

الذات عبر التاريخ والسلطات الخفية

من الناحية التاريخية، كانت هذه الذات في أسمى صور تكوينها لمواجهة الحدث الخارجي – وهو جزء من اختبارات الحياة – خلال العصر الهليني؛ أما ما تلاه فلم يشكّل ذاتاً حقيقية، بل اقتصر على تأويلات تاريخية مجردة تُشبه مجازاً للذات لا حقيقةً لها، ويظهر ذلك في نموذجين بارزين من الفكر الغربي: التصور الأفلاطوني والتصور المسيحي. يطرح السؤال عن سبب لجوء الذات إلى هذه المجازات التي تبعدها عن النية الأصلية.
يفسر فوكو ذلك بأن السُلط قد غطّت على الذات، فحجبتها عن نفسها، وهذه السُلط ليست هي السلطات الاجتماعية أو السياسية الواضحة – كسلطة المُعيّن من فرد أو جماعة، أو سلطة النظام كهيكل العادات أو النظام الديمقراطي، أو سلطة المكانة كمنزلة الأب أو المدير، أو سلطة النماذج التي تشمل الشخصية الأساسية في الأنثروبولوجيا والمفاهيم الموجهة والمناهج والمقاصد والأحلام حول ما ينبغي أن نكون عليه، أو سلطة الموضوع – بل هي سلطات من المرتبة الثانية التي تنشأ بعد تشكيل الخطاب، ولا تعد السلطة الأساسية؛ وإنما هي سلطة العلاقات، وهي ألطف أشكال السلطة التي يمكن أن تظهر، وأخطرها في تشكيل الذوات دون أن يشعر الأفراد بذلك، بالإضافة إلى سلطات أخرى تنتج عن تشكيل الذوات عبر خطابات متعددة.

الكامل والفضيلة في فلسفة فوكو

ويؤكد فوكو أن أصل الذات يكمن في «وجوبها» التي تمثل علاقة نفسية بين الذات ونفسها، خالية من أي قيود خارجية أو تجاوز إلى متعالٍ، وعند تحقيق ذلك يتحرر الفرد من السُلط، وهذا التحرير يُشكّل أساس الشرط الأخلاقي، أي أساس الأخلاق. ويظهر أن فوكو يجعل معيار التحرر وحقيقة الإنسان مرهوناً بعدم وجود سلطة خارجية أو عليا ذات طابع ميتافيزيقي.
ويعزى تعريف الذات بهذا الشكل إلى الفلسفة القديمة، سواء جانبها النظري أو العملي، إذ introdujo مفهوم «الكمال»؛ فمثلاً كمال الحصان يتجلى في أكمل صورة للحصان، وكمال الرجل في أكمل صورة للرجل، وكمال المصنوعات في أكمل صورة للمصنوعات؛ وبالتالي فإن كمال «الذات الإنسانية» يكمن في أكمل صورة للذات الإنسانية، كل على حدة، وما يميز الذات الإنسانية عن سائر الأنواع هو كمال العقل الذي يتحقق من خلال الفلسفة. فالعقل النظري وكماله قد يظهر عند المتفلسفة أنه أساس الفلسفة، بينما هو في الواقع شرط لتحقيق «الكمال» على الجانب العملي للذات، أي وسيلة للحصول على الكمال؛ وبالتالي يكون العقل النظري شرطاً وغرضاً للعقل العملي في آنٍ واحد.
ويُستكمل هذا الكمال من خلال تقنيات عملية مثل الزهد، وتقنيات نظرية مثل الصدق-الصراحة. ومع أن الفلاسفة المعاصرين أخذوا بالعقلين النظري والعملي معاً، إلا أنهم أسّسو هذا الأساس المتمثل في «مطلب الكمال» عند بناء العقل العملي وشرطه النظري؛ فعند المحدثين يصبح دور العقل النظري هو وضع الذات في حقل المعرفة كما في العلوم الإنسانية، بينما وظيفة العقل العملي هي إخضاع الذات للقانون كما في العلوم القانونية. على العكس، كان العقل النظري عند الهلينيين تجربة روحية تهدف إلى معرفة العالم بغية تكوين وتشكيل الذات، والعقل العملي لديهم هو ممارسة الحقيقة لتشكيل الذات لذاتها؛ فالتجربة الروحية الفلسفية هي التي تعدّ هذه الذات الحقيقية، وفق ما أسماه فوكو «الخطاب الحقيقي».
ويتميز الخطاب الحقيقي بالصدق والعقلانية والواقعية، وهو خطاب خاص بكل ذات «تذويت الخطاب»، يبيّن لها «الوجوب الخاص بها» في كل شيء، وتستحضره الذات بعد ممارسة الاستماع الانتقائي والكتابة والقراءة الانتقائيتين، لتختار ما يتماشى مع ممارستها اليومية؛ ثم تستحضر وتستكشف بالممارسة العملية ما وصلها من حكيم، ضمن علاقة تربوية مع القدوة «المربّي»، الذي يمثل الفيلسوف الحكيم الحقيقي، يزيل عنها التسلط ويخاطبها بالصراحة التعليمية لا بالخطابة، بشرط أن لا يحمل تجاهها أي شعور من raff أو عداوة.