ظاهرة المستشارين المجانيين: لماذا أصبح الجميع خبيراً في حياتك؟

لم يعد بمقدور الإنسان في زمننا الحالي أن يعيش حياته منفرداً بمعزل عن المحيطين به. فهناك دائماً من يراقب تحركاته، ويتدخل في خياراته، ويحلل قراراته، ويقدم له التوجيهات، بل ويتصرف أحياناً وكأنه يدرك مصلحته أكثر منه.
يكفي أن تتخذ قراراً يتعلق بحياتك حتى تسمع أسئلة من قبيل: لماذا؟ ولماذا الآن؟ وهل أنت واثق؟ ثم يظهر من يقول: لو كنت في موقفك لتصرفت بكذا، وآخر يؤكد لك أن الندامة ستلحق بك، وثالث يشرح لك أين كان خطؤك.
والأطرف أن كثيراً من هؤلاء لم تطلب رأيهم من الأساس، وقد لا يعرفون عن حياتك سوى ما ظهر لهم عبر صورة أو منشور أو محادثة عابرة أو تعليق. ومن هنا نشأ نمط جديد من “الخبراء”: مستشارون بلا مكاتب، ولا شهادات، ولا مواعيد مسبقة. يكفي أن يعلموا بقرارك ليشرعوا في العمل.
التدخل في كل شاردة وواردة
قل إنك عازم على الزواج، وسيظهر من يخبرك كيف ينبغي أن تختار. قل إنك لا ترغب في الزواج، وسيأتي من يسألك عن السبب.
اترك وظيفتك، فيقال لك إنك تصرفت بعجلة… ابق فيها، فيقال لك إنك تخشى التغيير.
اشترِ منزلاً، فيخبرك أحدهم أنك دفعت أكثر مما ينبغي… لا تشترِ، فيأتي آخر ليشرح لك أنك تجهل كيفية الاستثمار.
حتى السفر لم ينجُ منهم؛ فلكل وجهة شخص مستعد ليخبرك أنها ليست الخيار الأمثل، ولكل مشروع خبير، ولكل قرار رأي، ولكل رأي رأي آخر.
والمضحك أن هذه الاستشارات كلها تقدم مجاناً!
في الماضي، كان هناك تعبير جميل: “هذا شأنه”.
تسمع أن شخصاً اتخذ قراراً لا يروق لك، فتقول: الله يوفقه، وتنتهي القصة.
أما اليوم، فيبدو أن هذه العبارة لم تعد كافية. لا بد من معرفة السبب، وتحليل القرار، واقتراح البدائل، ثم السؤال عن سبب عدم الأخذ بالنصيحة!
دور وسائل التواصل في تفاقم الظاهرة
وسائل التواصل الاجتماعي زادت الأمور تعقيداً. فصورة واحدة قد تفتح باباً طويلاً من التعليقات، ومنشور بسيط قد يتحول إلى جلسة تحليل شخصية.
يكتب شخص جملة عن حياته، فيجد من يحلل شخصيته… يعلن عن قرار، فيجد من يشرح له لماذا هو على خطأ.
يتحدث عن مشكلة، فيجد من يقدم له الحل قبل أن يكمل كلامه. وأحياناً تجد شخصاً لم تلتقِ به في حياتك، ولا يعرف عنك سوى ما كتبته في حسابك، ومع ذلك يحدثك عن مستقبلك بثقة من يعرفك منذ عشرين عاماً!
المشكلة هنا ليست في النصيحة، فالنصيحة الصادقة من شخص يحبك ويعرفك قد تكون ثمينة جداً. المشكلة تكمن حين تتحول النصيحة إلى وصاية، وحين يصبح رأي الآخر هو المعيار الذي يجب أن تلتزم به.
هناك فرق بين أن تقول لصديقك: أنا لو مكانك سأفعل كذا، لكن القرار لك، وبين أن تقول له: أنت مخطئ، وعليك أن تفعل ما أقول.
الأولى نصيحة، والثانية محاولة لإدارة حياة شخص آخر.
حدود معرفتنا بحياة الآخرين
ونحن في الحقيقة لا نعرف ظروف الناس كما نظن. نرى من يبيع مشروعه، ولا نعرف كم خسر قبل أن يصل إلى قراره. نرى القرار، ولا نرى كل ما سبقه. ومع ذلك نقول بسهولة: لو كنت مكانه لفعلت كذا.
لكن الحقيقة البسيطة أننا لسنا مكانه. لا نعرف ظروفه، ولا التزاماته، ولا مخاوفه، ولا التفاصيل التي احتفظ بها لنفسه.
ولعل المشكلة الأعمق أننا أصبحنا نعطي آراءنا بثقة أكبر من معرفتنا بالموضوع. نعرف جزءاً من القصة، ثم نتحدث عن بقيتها وكأننا كنا حاضرين في كل تفاصيلها. وربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا قبل أن ننصح: هل طلب مني هذا الشخص رأيي فعلاً؟ السؤال بسيط، لكنه قد يوفر علينا كثيراً من التدخل.
فليس كل قرار يحتاج تعليقاً، وليس كل اختلاف يحتاج تصحيحاً، وليس كل شخص يخالفنا بحاجة إلى أن نعيده إلى الطريق الذي نراه صحيحاً. والأغرب أن انشغالنا الدائم بحياة الآخرين قد يكون أحياناً أسهل من الانشغال بحياتنا.
من السهل أن نكتشف أخطاء الناس، لكن الأصعب أن نعترف بأخطائنا.
من السهل أن نقول للآخرين ماذا يفعلون، لكن الأصعب أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا نحن؟
لذلك، ربما حان الوقت لإغلاق مكتب الاستشارات المجاني قليلاً. فإذا طلب منك شخص رأيك، أعطه إياه بصدق، ثم اترك له حق الاختيار. وإذا لم يطلبه، فلا تجعل كل موقف فرصة لتقديم محاضرة. فليس كل صمت قلة اهتمام، وأحياناً يكون الصمت احتراماً.
اتركوا للناس مساحة ليعيشوا كما يريدون، ويخطئوا، ويتعلموا، ويعيدوا ترتيب حياتهم بطريقتهم.
أما نحن، فلدينا ما يكفينا من شؤوننا وقراراتنا وأخطائنا. وربما حان الوقت لأن نتفرغ لها قليلاً.



