الصمت بين الحكمة والموقف

في حديث صحيح للرسول عليه الصلاة والسلام، رواه البخاري والمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت “.
أنواع الصمت وفوائده
هناك صمت نمارسه لحفظ الود وتجنب الفتنة، وصمت لأن الأمر لا يستحق الحديث، وصمت يكون أبلغ من الكلام عندما يكون الرد انفعاليًا لا يفيد. في هذه الحالات يكون السكوت علامة على حكمة ورجاحة عقل.
الصمت الذي يضر
لكن هناك صمت يترك أثرًا سيئًا، يسمح بتفاقم مظلمة، أو يقتل حقًا، أو يجعل الباطل يبدو كحقيقة. حين يكون السكوت ناتجًا عن خوف من الخسارة أو تجنب للمواجهة، يتحول إلى موقف سلبي قد تكون له عواقب.
المسؤولية في الكلام والصمت
خلق الله- عز وجل- فينا النفس بأحوالها المختلفة؛ فهناك النفس الأمارة بالسوء التي تدفع إلى الظلم، والنفس اللوامة التي تحاسب وتستدعي المراجعة، وأعظمها النفس المطمئنة التي تعرف ما يجب وما لا يجب وتحدد متى تتكلم ومتى تصمت. عندها يكون الكلام كألماس والسكوت كذهب.
الكلام الواجب والعلاقات
ويقول تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه). عندما يرى الإنسان ظلمًا أو إساءة ويملك القدرة على قول كلمة حق تنصف مظلومًا أو ترد حقًا، ثم يختار الصمت خوفًا من خسارة أحد أو رغبة في تجنب المواجهة، فلا يكون صمته حيادًا بالضرورة بل قد يصبح سببًا في استمرار الأذى. وفي العلاقات، قد لا تنتهِ بسبب كلمة قيلت بل بسبب حق لم يُقل وعتب لم يُسمع؛ تتراكم المشاعر بصمت ويتحول العتب إلى جفاء فمسافة، حتى تحتاج العلاقة التي كان يمكن إنقاذها بكلمة صادقة في بدايتها إلى كثير من الجهد لترميم ما كسره الصمت.
الخاتمة
ليس المطلوب أن نتدخل في كل خلاف ولا أن نقول كل ما نعرف؛ فالكلمة مسؤولية كما أن الصمت مسؤولية. الحكمة ليست في كثرة الكلام بل في معرفة متى نتكلم، وكيف نتكلم، ومتى يكون الصمت هو الخيار الأجمل. لكن يجب إدراك أن بعض المواقف لا تحتمل الصمت، وأن كلمة الحق لا تفقد قيمتها لأنها قد تكون ثقيلة، كما أن الحفاظ على العلاقات لا يعني أن نسكت عن كل ما يؤلمنا. في النهاية، ليس كل من تكلم كان حكيمًا ولا كل من صمت كان حكيمًا؛ فبعض الكلام موقف، وبعض الصمت موقف، والفرق أن هناك صمتًا يحفظ الود وصمتًا يهدمه.



