مسرحية «زهايمر» تفتتح مسارًا جديدًا للتعاون الفني بين الرياض والخرطوم

شكّل عرض مسرحية «زهايمر» على خشبة مسرح مدارس النبلاء في الرياض يومي 22 و23 أكتوبر 2026 محطة فارقة في المشهد الثقافي؛ إذ يمثّل أول إنتاج مسرحي سوداني احترافي يُقدَّم في المملكة، وقد نجح في اجتذاب جمهور متنوّع التركيبة، ضمّ عائلات سودانية لا تتابع عادةً الأنشطة الفنية الخاصة بجالياتها، وهو ما يفتح باب التأمل حول ضرورة الارتقاء بالفعاليات الفنية والتنظيمية لتوسيع دائرة الوصول.
حضور رسمي وفني يعكس عمق الروابط
من أبرز مؤشرات الأهمية التي حظي بها العرض، حضور الفنان السعودي المخضرم سعد المدهش، إلى جانب التمثيل الرسمي المتمثّل في القنصل العام للسودان الأستاذ مصطفى الحسين، والمستشار الدكتور إيهاب إمام. وتُقرأ هذه المشاركة على أنها إشارة إيجابية إلى قيمة دعم المبادرات التي تصبّ في تعزيز أواصر الشعبين، لا سيما في الحقلين الثقافي والفني.
رسائل اجتماعية عميقة بقالب بسيط
على الرغم من بساطة الحبكة، حمل العمل رسائل اجتماعية بالغة الأثر، في مقدّمتها التحذير من تفكك البنية الأسرية وتراجع قيم التكافل والتضامن التي تُعدّ من السمات الجوهرية للهوية السودانية، ويُنظر إلى فقدان هذه الخصوصية على أنه خسارة تمتد آثارها من الأسرة إلى المجتمع بأسره. وتكتسب هذه الرسالة راهنيتها من سياق الحرب والأزمات التي تدفع الأفراد أحيانًا نحو الانكفاء الذاتي وتغليب الحلول الفردية، وهو ما تلخّصه العبارة الدارجة «يلا نفسي». ومن ثم، فإن عملية إعادة الإعمار المنشودة لا ينبغي أن تقتصر على الجانب المادي، بل يجب أن تشمل الإنسان وشبكة علاقاته وروابطه الاجتماعية، أي إعادة الإعمار النفسي.
عمل سابق لأوانه لامس الواقع اللاحق
تحمل المسرحية مفارقة لافتة؛ فقد كُتبت وأنتِجت قبل اندلاع الحرب تحت عنوان «ملف سري»، غير أنها لامست واقعًا باتت الحاجة إلى مناقشته أكثر إلحاحًا بعد النزاع، كما تضمنت إسقاطات على الأوضاع المعيشية بأسلوب غير مباشر ولا فجّ.
اقرأ أيضاً: أمانة الرياض توسع دائرة التكريم للمبدعين وتطلق مبادرات توثيقية للعام الثاني
أداء تمثيلي حوّل العقبات إلى مزايا
على صعيد الأداء، برع الفنانون في تحويل بعض المشكلات التقنية المتعلقة بالصوت إلى مواقف كوميدية زادت من تفاعل الجمهور، وتألق الثنائي محمد جلواك ومحمد عبدالله في استدراج الضحكات، فيما رسّخ كل من مصطفى الخليفة، وجمال عبدالرحمن، وأمير عبدالله، وسامية عبدالله، وإخلاص نورالدين حضورهم الفني المميز.
ويُقدّر الجهد المبذول من الأستاذ عمر المونة صاحب المبادرات النوعية، كما يُحيى الفنان جمال عبدالرحمن على دوره المحوري في إنجاح العرض، وتُثمّن مساعي الفنان مصطفى الخليفة لتعزيز جسور التعاون الفني مع الأشقاء السعوديين، لا سيما عبر مبادرة «جسور الإبداع» التي يُأمل أن تتحوّل إلى منصة دائمة تفتح آفاقًا أوسع للشراكة الثقافية. ويستحق المنتج معاوية جمال الدين التقدير على خوض هذه المغامرة الفنية بالتعاون مع شركة DBC وشريكي النجاح «أجالا» و«النخبة».
اقرأ أيضاً: جمعية الزهايمر شاركت بركن توعوي بالتعاون مع أمانة الرياض في فعالية “بسطة الرياض”
وهذا النجاح يُهدى إلى مخرج العمل الفنان الكبير محمد نعيم سعد مع الدعاء له بالشفاء العاجل، كما يُحيى المؤلف عوض شكسبير الذي تناول قضية اجتماعية حساسة بأسلوب راقٍ يداوي دون أن يجرح.
إن «زهايمر» ليست مجرد عرض مسرحي ناجح، بل خطوة مهمة في مسيرة المسرح السوداني داخل المملكة، وتجربة أثبتت قدرة الفن على مخاطبة جمهور متنوّع وفتح مساحات جديدة للتواصل. ويبقى الأمل معقودًا على أن تكون هذه التجربة نواة لتعاون فني وثقافي سعودي سوداني مستدام، يستثمر ما يزخر به البلدان من خبرات وتجارب متراكمة، ويترجم الروابط التاريخية والإنسانية بين شعبيهما إلى أعمال مشتركة، ومهرجانات، وتبادل للفرق والخبرات الإبداعية. فالسودان والمملكة يمتلكان رصيدًا ثريًا من المواهب والتجارب، وما يحتاجانه هو فتح الأبواب أمام هذه الطاقات وتوفير الدعم الذي يجعل التعاون واقعًا ملموسًا لا مجرد أمنية. لقد فتحت «زهايمر» نافذة واعدة، والمطلوب أن تتحول إلى جسر متين تعبر عليه الأفكار والفنون، بما يعزز التقارب بين الشعبين ويمنح علاقاتهما الثقافية آفاقًا تليق بمكانتهما وتاريخهما.
المزيد في قسم فن










