الرئيسية›كتاب و آراء›معنى «العيش والملح» يتجاوز مائدة الطعام
كتاب و آراء

معنى «العيش والملح» يتجاوز مائدة الطعام

يكثر قولنا: «بيننا عيش وملح»، ونظن أن الجلوس على مائدة واحدة يكفي لتكوين علاقة أو أن لقمة مشتركة تمنح الطرف مكانة لا تتزعزع.

الوهم الذي يخلقته المائدة

لكن الحقيقة أن ليس كل من شاركنا الطعام يصبح بيننا عيش وملح، وليس كل من جلس معنا يكون قريبًا منا. أحيانًا تجمعنا الظروف أو المصالح أو العمل أو مناسبة أو طريق عابر مع أشخاص نشاركهم المكان والطعام والحديث، ومع ذلك فإن هذا التشارك وحده لا يصنع معنىً حقيقيًا للعيش والملح.

معايير الوفاء الحقيقي

العيش والملح عندي أوسع من وجبة وأعمق من جلسة. هو موقف وقت الحاجة، وحفظ للود في الغياب، وستر للعيب، واحترام لا يتغير بعد انتهاء المصلحة. هو شخص يعرفك في الرخاء، ولا يتنكر لك في الشدة، ويجلس معك دون حساب لما سيأخذه منك أو ماذا ستقدم له.

كيف نميز العلاقات العابرة عن العشرة الصادقة

بعض العلاقات تنتهي عند انتهاء المصلحة، وهنا ندرك أنها لم تكن عيشًا وملحًا بل مجرد مرحلة مرت وانتهت. أما العشرة الحقيقية فلا تُقاس بعدد الموائد التي جلسنا حولها، بل بعدد المواقف التي أظهر فيها كل شخص معدنه. قد يأكل معك إنسان سنوات ثم تكتشف عند أول خلاف أن كل ما كان بينكما لم يكن إلا مصلحة مغلفة بالمجاملة، وقد لا تجمعك بآخر إلا جلسات قليلة لكنه يحفظ قدرك في حضورك وغيابك، فيصبح أقرب من كثيرين تقاسمت معهم عشرات الموائد.

لذلك لا تُعطوا عبارة «بيننا عيش وملح» لكل عابر. العيش والملح الحقيقيان لا يكونان في الطعام فقط بل في الوفاء. ومن لا يحفظك بعد انتهاء حاجتك منه، لم يكن بينك وبينه عيش وملح؛ كان بينكما فقط طبق على مائدة.

«عيش وملح».. لا تصنعه المائدة