القوة الناعمة في الملاعب.. كيف تحوّلت كرة القدم إلى أداة دبلوماسية جامعة

تُعدّ البطولات الرياضية الكبرى إحدى أبرز وسائل القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية في العصر الحديث، حيث تتيح للشعوب الالتقاء وتُعزز مشاعر الفخر الوطني وتُقوي التماسك الاجتماعي، حتى في المجتمعات التي تعاني انقسامات عميقة. كما تسهم في خلق تجارب ثقافية وإنسانية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.
الرياضة الجماعية والهوية الوطنية
تشير الأبحاث إلى أن الرياضات الجماعية، على عكس الفردية، تولد إحساساً أعمق بالانتماء والهوية الوطنية الموحدة، وتتراجع خلالها الفوارق الاجتماعية والسياسية والثقافية. وتساهم مشاركة المنتخبات الوطنية في البطولات الإقليمية والعالمية في إنتاج لحظات وطنية جامعة، يشعر خلالها المواطنون بالفخر والانتماء، مما ينعكس إيجاباً على مشاعر الوحدة الوطنية. فعندما يخوض المنتخب الوطني مباراة، يتوحد الجميع تحت راية هوية وطنية جامعة، تترسخ فيها قيم الانتماء وتتسع مساحات التفاعل بين أفراد المجتمع على اختلاف خلفياتهم. ويُنظر إلى الفوز بوصفه إنجازاً وطنياً، وإلى الخسارة بوصفها مسؤولية جماعية يتقاسمها الجميع.
كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا.. إبراز التنوع الأفريقي
يُروى في تاريخ بطولات كأس العالم العديد من النماذج التي ساهمت في توحيد مجتمعات منقسمة وإبراز دول كانت أقل حضوراً في المشهد الدولي، فضلاً عن إعادة تشكيل الصورة الذهنية عنها. ويُعد كأس العالم لكرة القدم 2010 في جنوب أفريقيا أبرز هذه النماذج؛ إذ كانت البطولة الأولى التي تستضيفها القارة الأفريقية، وكشفت للعالم عن ثراء القارة الثقافي وتنوعها الإنساني، أكثر مما أبرزت تحدياتها وانقساماتها. كما مثّلت البطولة حافزاً كبيراً لتعزيز الفخر الوطني والتماسك الاجتماعي، ليس في جنوب أفريقيا وحدها بل على مستوى القارة بأكملها، وساهمت في ترسيخ الهوية الأفريقية الجامعة، وجمعت أبناء القارة، على اختلاف أعراقهم وثقافاتهم، تحت راية واحدة.
قطر 2022.. دبلوماسية شعبية في المدرجات
في كأس العالم الذي استضافته قطر عام 2022، تجلت الدبلوماسية الشعبية بعيداً عن قاعات المؤتمرات والسفارات والاجتماعات الرسمية، وظهرت في الشوارع ومدرجات الملاعب، حيث تبادل المشجعون الأعلام والأهازيج ورقصوا معاً رغم اختلاف لغاتهم وثقافاتهم. لقد صنعت البطولة حالة من الانفتاح وحسن النية، تجاوزت في أثرها كثيراً من المبادرات الرسمية، وشكّلت نقطة تحول في الصورة التي كان ينظر بها بعض العالم إلى المنطقة، مؤكدة أن الأحداث الرياضية الكبرى قادرة على تصحيح الصور النمطية وكشف واقع أكثر ثراءً وإنسانية. وحمل الزوار معهم ذكريات الأجواء الحماسية والاحتفالات الشعبية في الشوارع والساحات العامة، بقدر ما حملوا ذكريات المباريات نفسها، لتصبح التجربة الثقافية والاجتماعية جزءاً أصيلاً من إرث البطولة.
كرة القدم منصة للدول الصغيرة.. من كرواتيا إلى الرأس الأخضر
ساهمت كرة القدم في وضع العديد من الدول الصغيرة أو الأقل تأثيراً على الخريطة العالمية، إذ تمثل اللعبة إحدى أهم منصات الحضور الدولي، بما تمنحه من فرص للاعتراف العالمي والبروز الثقافي السريع. ومن خلال الإنجازات الرياضية، تحوّل هذه الدول منتخباتها إلى أدوات فاعلة للدبلوماسية العامة والترويج الوطني وتعزيز حضورها على الساحة الدولية. ولا شك أن الشعبية العالمية لكرة القدم الأرجنتينية ونجومها أسهمت في تعزيز حضور الأرجنتين الثقافي عالمياً، وجعلتها حاضرة في الوعي الجماهيري على مختلف المنصات الدولية. أما كرواتيا، فعلى الرغم من أن عدد سكانها يقل عن أربعة ملايين نسمة، فإن بلوغ منتخبها نصف نهائي كأس العالم مرتين، ووصيف البطولة عام 2018، جعل اسمها حاضراً في الوعي العالمي، وربطه بروح المنافسة والإصرار. وأما الرأس الأخضر، فقد سجّلت إنجازاً تاريخياً بتأهلها للمرة الأولى إلى نهائيات كأس العالم 2026، لتصبح واحدة من أصغر الدول المشاركة في البطولة. ويجسد هذا التأهل كيف يمكن لكرة القدم أن تنقل دولة صغيرة من الهامش إلى دائرة الاهتمام العالمي، إذ تحولت هذه الدولة الأرخبيلية إلى قصة رياضية ملهمة استقطبت اهتمام وسائل الإعلام والجماهير، ورسخت حضورها على الخريطة الرياضية الدولية، في نموذج واضح لقدرة الرياضة على تعزيز القوة الناعمة للدول، بصرف النظر عن مساحتها أو حجمها السكاني. كما تركت أوروغواي، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.3 مليون نسمة، بصمة تاريخية بارزة بفوزها بكأس العالم مرتين، لترسخ مكانتها الرياضية بما يفوق حجمها الجغرافي والديموغرافي.
السعودية 2034.. محطة تاريخية للتعريف بالمملكة
في عام 2034، تستضيف المملكة العربية السعودية بطولة كأس العالم، في محطة تاريخية ستكون منصة عالمية لإبراز ما تتمتع به المملكة من تنوع جغرافي وثقافي وحضاري وتنموي واجتماعي. وستتيح البطولة للعالم فرصة التعرف إلى المملكة من الداخل، وإلى تاريخها الممتد، وإرثها الحضاري، وقيمها الإنسانية. كما سيكون مشجعو المنتخب السعودي، الذين اعتادوا مرافقة منتخبهم في مختلف المحافل الدولية، سفراء لوطنهم، بما يصنعونه من أجواء مميزة بالأهازيج والحضور الجماهيري والثقافة الرياضية، مقدمين صورة حية عن المجتمع السعودي وقيمه الأصيلة. وسيتمكن ملايين المشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم من اكتشاف المملكة عن قرب، بوصفها ملتقىً للحضارات، وموطناً لتاريخ إنساني عريق يمتد منذ فجر التاريخ، ونموذجاً لمجتمع يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويحمل قيماً إنسانية وحضارية تعكس حقيقة الإنسان السعودي.



