الرئيسيةفنالزخارف الإسلامية: لغة بصرية تربط بين...
فن

الزخارف الإسلامية: لغة بصرية تربط بين الماضي والحاضر في الفن المعاصر

بين الاستهلاك السطحي للتراث والاستثمار الحضاري فيه، لا يأتي استلهام الزخارف الإسلامية في الفن الحديث كاسترجاع لماضٍ ولى أو اقتباس شكلي، بل هو عملية تجاوزية تعيد تعريف التراث كطاقة متجددة، ونسق يتخطى فيه الفنان التاريخ ويعيد إنتاج الهوية في قالب عصري. تتحول الأنماط الهندسية والتكرارية إلى مفردات لغوية قادرة على التعبير عن مفاهيم المعاصرة المعقدة، لما يساهم به التراث في تعزيز الروابط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

التراث بهذا المفهوم ليس متحفاً للذكرى، وإنما فعل حضاري بامتياز يعمل كمختبر للابتكار وجسر استراتيجي يغذي الحاضر بالتنوع البصري، ويثري الهوية الذاتية التي لا تستورد أنماطها من الخارج، بل تستنبطها من موروث يمتلك القدرة على التطور والديمومة ليحكي قصة الحاضر التي تشق وتمهد لدروب مستقبل ثقافي يتسم بالأصالة ويتوازي مع ذواتنا المعاصرة.

الفن نشاط إنساني ينبثق من صميم المجتمع كجزء معبر عنه في علاقته الترابطية مع النظم والعادات والتقاليد والجغرافيا والعقائدية. هذا ما أكده رائد علم الاجتماع دوركايم، بأن الفن ليس ذبذبات شخصية معزولة في برج عاجي أو مجرد فعل جمالي، بل هو ظاهرة اجتماعية كلية ونتاج نسبي خاضع لظروف الزمان والمكان، واستدعاء لهوية جماعية تشكلت عبر التاريخ والجغرافيا، وتغلغلت في وجدان الفرد لتخرج في قالب بصري يحمل بصمة المجتمع.

الزخارف الإسلامية كلغة تكثيف في التشكيل المعاصر

سطر الفنان المسلم أبجدية خاصة انطلق فيها خياله إلى اللانهائية والتكرار والتجديد والتشابك كمفاهيم تتسق والفن المفاهيمي المعاصر الذي يهتم بالامتداد الفراغي، بجانب طرح تصورات فنية مجردة ومحورة عن العالم المنظور. منها التجريد والموسيقية، والانحياز لكسر المحاكاة والابتعاد عن تصوير الواقع المادي والاتجاه نحو إدراك الجوهر والتماثل الرياضي، وذلك من خلال تناول عناصرها وتفكيكها إلى عناصر أولية وإعادة تركيبها من جديد في صياغة مبتكرة عبرت عن موقفه منها، وذلك كقيمة جمالية ومضمون فلسفي احتفت به الفنون الإسلامية ومثل طابعها الخاص.

الزخرفة في جوهرها، ليست مجرد أنماط تزيينية أو ملء فراغ، بل محاكاة للوجود المطلق وهندسة للوجود وأداة أنطولوجية (فلسفية/وجودية) تعكس رؤية الإنسان للكون، وفهمه للقوانين الرياضية الخفية التي تحكمه. فقد صممت تلك التشكيلات الهندسية وفق إشارات هنري فوسيون وكيث كريتشلو لتوضيح الحقائق الضمنية للمتلقي، ونوع من طرح لأفكار فلسفية ومعانٍ روحية عبر إطار تجريدي لعناصر الطبيعة من ثوبها الظاهر وكشف مضمونها الدفين.

الزخارف الإسلامية كجسر بين الإرث وابتكار المعاصر

في تدليل على ثمرة التفكير المؤسس على الجانب الرياضي والحسابات الدقيقة، لتأليف تكوينات وفق قوانين النمو والتوالد، لتتحول بذلك الزخرفة إلى بنية معرفية تتداخل فيها الزخارف الهندسية والنباتية والكتابية لتشكيل نصوص بصرية تربط بين الذات والجمال والوجود المتعالي. فتحويل الوحدة الزخرفية من وظيفتها التزيينية إلى كينونة فنية مستقلة جديدة خالية من الوظيفة، بما يحول العمل من مجرد سطح مؤطر إلى فضاء جدلي نابض، ذو طاقة فاعلة تمنح الفنان المعاصر عمقاً فلسفياً جمالياً يشتبك به مع الحاضر عبر لغة متجددة قادرة على التعبير.

لم ينحصر دراسة واستلهام روح وفلسفة الزخارف الإسلامية على الفنان العربي، بل امتد كلغة بصرية اجتذبت الفنان المعاصر كما فعل ليوناردو دافنشي وفرانسيس بيكون وجوستاف كليمت وأوجين ديلاكروا وهنري ماتيس وبابلو بيكاسو وفاسيلي كاندينسكي، والذين عثروا في هندسة الزخرفة (التكرار والتناظر واللانهاية) مادة خصبة للتعبير عن مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة. فلم يبحث هؤلاء الفنانين في الزخارف عن مجرد زينة، بل نقبوا عن النظام الخفي، الهندسة الروحية للكون.

هوس الفنان ليوناردو دافنشي بالتشابك الهندسي الذي ظهر في الزخارف، واعتبره قانوناً طبيعياً يحكم النمو والتوالد، وهو ما جعله يقرأ الزخرفة الإسلامية كخوارزمية طبيعية استشرفها دافنشي وفق حقيقة علمية مبكرة بأن الطبيعة تزخرف نفسها وفق منطق هندسي صارم، لا يحاكي المرئيات وإنما محاكاة لنمو الوجود نفسه. حيث أدرج عقد دافنشي الرياضية والزخرفية في معظم أعماله، خاصة في ملابس لوحة الموناليزا، وزخارف قاعة Sala delle Asse، وتوثيق وتصميم هذه الزخارف الدقيقة ضمن المخطوطة الأطلسية (Codex Atlanticus) الخاصة به.

فهم أوجين ديلاكروا بأن الزخرفة الإسلامية ليست إلا انعكاساً للحياة في أكثر تجلياتها الحيوية. كما استقى الفنان إيشر الهندسة الإسلامية، في فسيفساء قصر الحمراء بالأندلس، فلم يكتفِ بالاستلهام الشكلي، بل طور مفهوماً هندسياً يسمى تقسيم المستوى الدوري كرؤية فنية تتحول فيها الزخرفة من زينة إلى لغز بصري، عبر تداخل الأشكال الهندسية والنباتية في تكرار رياضي يجابه قوانين المنظور، ويتقاطع مع مفهوم تنظيم الفراغ.

وحد هنري ماتيس في السجاد الشرقي والزخارف الإسلامية حلاً لمعضلة تسطيح الفضاء في الفن الحديث، والحرية للتحرر من المنظور التقليدي والاتجاه نحو اللون والنمط كقيمة مطلقة. وكانت الزخارف الإسلامية والأفريقية الوسيط الذي ألهم الفنان بابلو بيكاسو نحو تفكيك الجسد وإعادة تركيبه في التكعيبية. كما عثر فاسيلي كاندينسكي في التكرار الزخرفي واللانهاية صدى للموسيقى الروحية، فالزخرفة لديه ليست مادة صماء، بل إيقاع يعبر عن التناغم الوجودي وهندسته. بينما استردف غوستاف كليمت الذهب والأنماط الهندسية ليحول لوحاته إلى أيقونات تذوب خلالها شخوصه وإيماءاتها التعبيرية، بما يمنح العمل الفني بعداً أبدياً يتخطى حدود الزمكانية.

ونظراً لأن الزخرفة هي لغة عالمية غير مرتبطة بجغرافيا المكان وإنما بالمنطق الهندسي للكون، اعتمدت الفنانة جولي ميهريتو على تحويل الزخرفة من تجميل إلى مخطط سوسيولوجي لابتداع ما عرف بخرائطها التجريدية الضخمة، عبر دمج الأنماط المعمارية والزخارف الهندسية في طبقات شفافة فوق بعضها البعض، كمعادل لفكرة تجسيد هياكل اجتماعية تعبر خلالها عن كيفية تشابك الأفراد داخل المدينة (العمارة، الزخرفة، النظام الاجتماعي). بينما استخدم الفنان الإيطالي لويجي بالارين الزخارف الإسلامية، كفلسفة لبناء جسور بين الشعوب في الشرق والغرب، واصطبغت أعماله بلمسات من البيئات التي زارها وزخر معمارها بالنظم الزخرفية والمنمنمات الإسلامية.