التعليم العام في السعودية: دعوة للخروج من منطقة الراحة نحو الابتكار والتطوير

في مقال نشره الزميل خالد الباتلي في جريدة عكاظ بتاريخ الثامن من يوليو لعام 2026، تحت عنوان “اختطف الأكاديميون التعليم العام، فمن يعيده إلى أهله؟”، طرح تساؤلاً حول ضرورة إشراك المعنيين في ميدان التعليم العام — من قادة مدارس ومعلمين ومشرفين تربويين — في تحديد سياسة التعليم، إلى جانب الأكاديميين، وعدم انفراد الأخيرين بهذه السياسة.
هذا المقال أثار اهتمام اللواء الركن م. الدكتور بندر بن عبد الله بن تركي آل سعود، الذي خدم في مجال التعليم مديراً لإدارة الثقافة والتعليم بقواتنا المسلحة الباسلة، ودفعه للإدلاء برأيه في هذا الموضوع الحيوي.
التعليم أساس التقدم العالمي
يستعرض الكاتب تجارب دول عدة تؤكد أن التعليم هو المحرك الأساسي للتنمية والتفوق. فما سادت أمريكا العالم إلا بفضل تعليمها، ولم يضطرها المارد الأصفر (في إشارة إلى الصين) لتراجع موقعها إلا بفضل التعليم، كما أن الهند التي تصدر سنوياً عمالة تقنية بقيمة ملياري دولار إلى الولايات المتحدة جعلت عرشها يهتز بفضل التعليم. وتايوان، التي لا تملك موارد طبيعية تذكر، تحتل المرتبة الرابعة عالمياً في مؤشر الحرية الاقتصادية، ويعتمد اقتصادها على التعليم المتقدم وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، حيث تشكل أكثر من 60% من الإنتاج العالمي للرقائق و80% من صادراتها.
سنغافورة، ذات الموارد الطبيعية المحدودة، تتصدر العالم في جودة التعليم لسنوات وفقاً لبرنامج التقييم الدولي للطلاب (PISA) التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويتفوق طلابها باستمرار في العلوم والرياضيات والقراءة. أما اليابان، فبفضل تعليمها المتقدم أصبحت تبدو وكأنها كوكب آخر من حيث الرفاهية وجودة الحياة.
طموح السعودية وضرورة التغيير
يشير الكاتب إلى أن المملكة تمتلك الطموح والإمكانيات والاهتمام والدعم السخي من القيادة الرشيدة لمسيرة التعليم، مما يجعلنا نطمح للوصول إلى مصاف تلك الدول. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، نحتاج إلى مغادرة منطقة الراحة الطويلة التي اتسمت بالتقليد الرتيب، والانتقال إلى فضاء أرحب بفكر حديث يشارك فيه الجميع: الأكاديميون، أهل الميدان، والمواطنون المهتمون.
يقترح الكاتب إنشاء مركز وطني خاص بأبحاث تطوير التعليم، يهتم بتطوير المناهج لتواكب سرعة التقدم التقني، وتطوير أساليب التدريس وجودة التعليم، وتنمية الإبداع والقدرة على الابتكار، مع إتاحة الفرصة لكل من لديه فكر أو رؤية، بمن فيهم أولياء الأمور الذين يجب مشاركتهم بفاعلية.
نحو تعليم يركز على حل المشكلات والتعلم مدى الحياة
يدعو الكاتب إلى التوجه نحو فهم أعمق للمفاهيم والتعلم الذي يركز على حل المشكلات من خلال تنمية المهارات وتطوير الاهتمامات والأهداف، وتعزيز فكرة التعلم مدى الحياة لمواكبة التطورات التقنية المتسارعة كالذكاء الاصطناعي والأتمتة. ويؤكد ضرورة الحد من ثقافة التحصيل الدراسي في المدارس، وإتاحة مزيد من الوقت للطلاب لممارسة هواياتهم وشغفهم.
ويلاحظ الكاتب أن التغييرات في إستراتيجيات التعليم في المملكة كانت مجرد تغيير شكلي لم يغادر منطقة الراحة، وما زال التعليم يرتكز على حفظ المعلومات عن ظهر قلب دون فهم عميق، مع انفصال تام بين ما يدرسه الطالب في صف وآخر. وهنا تغيب فكرة التعلم مدى الحياة، حيث ينشغل الطلاب بإفراغ المعلومات المحفوظة في الاختبارات فقط، ثم الانتقال إلى الوظيفة والروتين دون أي قدرة على الابتكار.
ويستذكر الكاتب تأكيد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، رئيس مجلس الوزراء ولي العهد، بأن “أعظم مورد تمتلكه بلادنا هو إنسانها”. لذلك، يجب على الجهات المسؤولة التفكير خارج الصندوق لتعظيم رأس المال البشري بنظام تعليم يصنع فارقاً حقيقياً، يؤهل أبناءنا وبناتنا ليكونوا علماء وعباقرة من خلال رحلة تعليم ممتعة وشيقة تستمر مدى الحياة، ترتكز على تعزيز الانتماء الوطني، ترسيخ الثقة بالنفس، تنمية الوعي المجتمعي، التربية الأخلاقية، البرامج الإثرائية، النشاطات اللاصفية، وتطوير علم النفس المعرفي والاهتمام بذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة.
تجارب عالمية ومقترحات عملية
يشير الكاتب إلى تجربة سنغافورة الرائدة في تأسيس معهد يدرس آلية عمل الدماغ للأطفال في سن مبكرة، مما ساعد في توجيه كل طالب وفق قدراته الذهنية. ويقترح مغادرة منطقة الراحة في حصر الطلاب في مسار ثابت علمي أو أدبي، وإتاحة الفرصة لهم بداية من السنة الأولى في التعليم الثانوي لاختيار مادة أو اثنتين على الأكثر للاستمرار فيها في الجامعة والدراسات العليا، لتحسين التحصيل والقدرة على الإبداع.
وفيما يتعلق بذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، يؤكد الكاتب على ضرورة دمجهم في نظام التعليم مع الأسوياء حكومياً وأهلياً، لأن تخصيص مؤسسات خاصة لهم يعتبر عقبة ويرسخ فكرة أنهم ليسوا أسوياء، مما يعقد اندماجهم في المجتمع ويصيبهم بالاكتئاب. ويدعو إلى بذل كل جهد من الجهات المعنية والمجتمع والأسرة.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن الدولة توفر للتعليم كل ما يحتاجه من موارد، وتعول عليه في إحداث نقلة نوعية في التنمية وتنويع مصادر الدخل ضمن رؤية 2030 التي هندسها ولي العهد. ويدعو جميع المعنيين والمهتمين وأولياء الأمور إلى الإسهام في تطوير التعليم، والخروج به من منطقة الراحة إلى قاعات البحث العلمي والمعامل العلمية، معتبراً اللحظة الأولى في التعليم مؤشراً مهماً للنجاح في المراحل التالية.
أما في ما يتعلق بالتعليم الأهلي، فيرى ضرورة تدخل الوزارة لتحديد سقف للرسوم الدراسية في المدارس الأهلية والمعاهد والجامعات، ليتسنى لكل راغب الالتحاق بها، وحث المعنيين على تطوير المناهج والارتقاء بالتعليم وتدريب المعلمين وتأهيلهم.
ويشيد الكاتب بما لمسه شخصياً لدى المسؤولين في وزارة التعليم وعلى رأسهم معالي الوزير يوسف بن عبد الله البنيان من استعداد تام للانفتاح والترحيب بكل من لديه اهتمام بتطوير التعليم، داعياً إلى شد الهمة والتعاون لإيجاد حلول عملية فعالة للتحديات التي تواجه تحديد سياسة التعليم العام في المملكة، كما هو الحال في كثير من دول العالم اليوم.



