الرئيسيةمنوعاتدعاء الأم: كيف يتحول إلى منهج...
منوعات

دعاء الأم: كيف يتحول إلى منهج حياة عندما نكبر

كانت أمي في صغري تردد دوماً جملةً بسيطةً: “اللهم لا تشغلنا بأحدٍ من خلقك”. كانت تلفظها بلا تردد، ثم تواصل مسيرتها اليومية، ولم أدرك حينها أن هذا القول ليس مجرد دعاء عابر، بل يحمل في طياته طريقةً شاملةً للعيش.

من الطفل إلى الشاب: اكتشاف معاني الدعاء

مع مرور الوقت وكبرنا، انطلقت خطواتنا في مسار الحياة وتفاعلنا مع الناس، وتعرّضنا إلى تجاربٍ مختلفةٍ من الفرح والحزن. ومع كل قصةٍ نسمعها أو نعيشها، بدأ الفهم يتبلور حول سبب تكرار أمي لتلك العبارة. أدركت أن ما يستهلك طاقة الإنسان ليس العمل المتواصل أو الإرهاق الجسدي، بل الانشغال المستمر بأحوال الآخرين؛ من يتحدث، ومن يذهب، ومن يعود، وما إذا كان أحدهم قد نجح أو فشل.

الانشغال بالآخرين مقابل الانشغال بالنفس

هناك فئة من الناس يعيشان حياةً مزدوجة؛ حياةً خاصةً بهم وحياةً يراقبون فيها حياة غيرهم. يلتفون حول تفاصيل الآخرين، يتابعون الأخبار، ويقارنون أنفسهم باستمرار بالآخرين، فتضيع أعمارهم وهم يظنون أنهم يعيشون، في حين أنهم في الواقع يراقبون حياة غيرهم أكثر مما يعيشون حياتهم الخاصة.

العكس هو أن من يركز على ذاته يجد ما يكفيه من أهدافٍ وأحلامٍ وعملٍ وإصلاحٍ للذات. أما من يضيع وقته في مقارنة مستمرة مع الآخرين، فلن يصل إلى طمأنينة القلب، لأن عينه معلقة بما يملكه الآخرون وليس بما هو بين يديه.

الاهتمام بالناس لا يعني الانشغال بهم

ليس المقصود الانعزال عن المجتمع أو تجاهل الناس؛ فالحياة تقوم على المحبة والتعاون. الفرق الجوهري يكمن بين الاهتمام بالآخرين، وهو سلوكٌ إنسانيٌّ سليم، وبين الانشغال بهم إلى درجة استنزاف الوقت وراحة القلب. فالاهتمام يُعَدُّ خلقًا، بينما الانشغال يُهدر العمر.

تجدد الوعي في عصر التواصل الرقمي

مع كثرة الضجيج على منصات التواصل الاجتماعي وتدخل الناس المتزايد في خصوصيات بعضهم البعض، يتجدد في نفسي تذكر دعاء أمي. أبتسم حين أستذكر أن السلام الداخلي يبدأ عندما يوجه الإنسان نظره إلى ذاته، ويستثمر وقته في ما ينفعه، ويترك الخلق بيد الخالق.

رحم الله الأمهات على حكمتهن التي لا تُدرك إلا بعد أن يمر الإنسان بمراحل الحياة. اليوم أردد دعاء أمي بثقةٍ: “اللهم لا تشغلنا بأحدٍ من خلقك، واشغلنا بأنفسنا، أصلح قلوبنا، واجعل أعمارنا عامرةً بما يرضيك”. فكم هو جميل أن يعيش الإنسان لحياته لنفسه، ويترك للآخرين مسيرتهم، وتستقر القلوب في سلام.