التسامح: مفتاح السعادة وفوائده الصحية وفق الطب النفسي والأنبياء

تُعَدُّ القدرة على التسامح وتجاوز أخطاء الآخرين من أهم مقومات السعادة، إذ تُظهر الدراسات العلمية أن الأخلاق الطيبة لا تنفع الروح فحسب، بل لها أثر إيجابي واضح على الصحة الجسدية. يؤكد الطب النفسي المعاصر أن الصفح يساهم في تحقيق توازن نفسي ثابت، بينما يُفضي التمسك بالانتقام وتراكم الضغائن إلى اضطرابات في الحالة النفسية والجسدية.
آثار التسامح على الصحة النفسية والجسدية
يظهر أن الأشخاص الذين يمارسون التسامح يكونون أقل عرضة للمعاناة من الاكتئاب والقلق. وعلى النقيض، فإن مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام تُرفع مستويات هرمون الكورتيزول، وهو ما ينعكس سلباً على الجهاز العصبي. بالمقابل، يساعد التسامح في استقرار وظائف الجهاز العصبي، ما يفضي إلى ضغط دم أكثر انتظاماً، نوم أعمق، جهاز مناعي أقوى، وصحة قلبية محسنة.
دروس من القرآن وسيرة النبي يوسف
يستند هذا المفهوم إلى قول الله تعالى عبر سيدنا يوسف (عليه السلام) في مواجهة إخوته: “قد جعله ربّي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن”. يلاحظ أن يوسف يذكر الخروج من السجن وليس من بئر، لتجنب إحياء ذكرى جرح إخوته، ثم يضيف أن الشيطان هو المتسبب في النزاع بينه وبين إخوته، مظهراً تواضعه في تحمل المسؤولية وعدم إلقاء اللوم على الآخرين.
أمثلة من سيرة الصحابة والأنبياء
تحكى حكاية معروف الكرخي عندما مرّ على مجموعة يلهون على ضفاف نهر الدجلة، يستهلكون الخمر ويتفاخرون بالمعاصي. سألهم أن يدعوا له، فأجابهم: “ابسطوا أيديكم وقلوا: اللهم كما أسعدتهم في الدنيا أسعدهم في الآخرة”. فاستغربوا من الدعاء للآخرة وهم في حالة إثم، فأجابهم أن التوبة تجلب رحمة الله وتمنحهم سعادة أبدية.
ومن بين أقوال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ما يشهد على عظمته في العفو، حيث روي عن أبيه عبد الله بن عمر أن رجلاً سأل النبي عن عدد مرات العفو عن الخادم، فأجاب بصمت ثم قال: “اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة”. وتُفهم كلمة “سبعين” هنا كدلالة على الكثرة المستمرة، لا على عدد محدد.
حكم التسامح في حياتنا اليومية
ليس الإنسان معصوماً من الزلل؛ لذا فإن من يسعى لصون علاقاته مع الأهل والأصدقاء يجب أن يتجاوز الأخطاء المتكررة. أما من لا يطيق الانتقاد المستمر فقد يفتقر إلى الأصدقاء، كما يذكر الشاعر: “إذا كنت في كل الذنوب معاتباً – صديقك لم تلقَ الذي لا تُعاتبه”.
وفي موقف آخر، سُئل خالد بن الوليد (رضي الله عنه) عن من يذكره بسوء، فأجاب: “هي صحيفته فليملأها بما شاء”، مؤكدًا أن الإنسان ليس ملائكةً، بل كل منا يخطئ.
الدكتور صالح بن حمد التويجري



