دعوة رواقية إلى التماس العذر قبل إبداء الحكم

تُنسب العبارة الشهيرة «أعقل الناس أعذرهم للناس» إلى الصحابي الجليل عمر بن الخطاب، وتحمل في طياتها فكرة رواقية عميقة تتجلى في سلوك النفوس الرفيعة التي تسعى إلى استدعاء العذر قبل إلقاء اللوم. إن هذه الحكمة تدعو إلى استحضار مفهوم “ثقافة التماس العذر” عندما تُظهر الأخطاء أو الزلات أو التجاوزات.
قيمة التماس العذر في تقدير العقل
تُظهر العبارة أن حجم حكمة الإنسان يُقاس بمدى استعداده للبحث عن مبررات للآخرين قبل أن يندفع إلى إدانتهم. وتُبرز كذلك قدرة الذات المتأنية على تجاوز الوقائع، ومراجعة أبعادها المتعددة، وفهم دوافعها، سواء كانت واضحة أو خفية. وتُظهر النظرة المتسامحة أن الخطأ غالبًا ما ينشأ عن جهل، لا عن نية شريرة.
كيف نتحول من الحكم إلى الفهم
بدلاً من التوجه إلى إصدار الأحكام السريعة، يُنصح بمحاولة استكشاف الدوافع وراء السلوك، وإن كان واضحًا أو مخفيًا. إذا كان الدافع ظاهرًا، يمكن إرشاد الطرف الآخر بدلاً من مهاجمتها، وإن كان خفيًا، يصبح كرم النفس وسعة الصدر ملاذًا للبحث عن عذر محتمل.
آثار التسرع في الحكم على الآخرين
الانغماس في الغضب أو إطلاق الأحكام المتعجّلة، خصوصًا في المواقف التي لا تخلو من نوايا طيبة، يُظهر ضيقًا ذهنيًا وعقلًا متجمدًا لا يرتقي إلى أعلى معايير الأخلاق. وقد صوّر المتنبي هذه الحالة بصورة بديعة قائلاً: “ومَن يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ يَجِدْ مُرّاً بِهِ المَاءَ الزُّلالا”؛ فالمتهم بمرارة الفم يشعر بطعم المرارة في الماء العذب، وتكمن العلة في حاسة التذوق، لا في طبيعة الماء.
التفكير الرواقِي وتعليق الحكم
في الفلسفة الرواقية يُعرف مفهوم “الإبوخية” (Judgment Suspension – Epoché) بأنه دعوة إلى التريث وعدم الانجراف نحو أحكام سريعة. هذا المبدأ يحث على استكشاف جميع أوجه المسألة وإدراك حدود معرفتنا قبل أن تتشكل الصورة الكاملة، مما يخفف من الضغائن ويزيل التوتر، ويتيح مساحة للتقييم المتأنّ.
وفي ختام الفكرة، يدعونا الشاعر أبو العلاء المعري إلى كبح سرعة الغضب واللوم، والبحث عن الأعذار المحتملة للآخرين، فربما يكون للخطأ أو التصرف المزعج مبرر خفي لا ندركه: “لكَ اللهُ لا تَذْعَرْ وليّاً بغضبةٍ ** لعلَّ له عذراً وأنتَ تلومُ..”



