الرئيسية›محليات›رحيل شمس: قصة ألم وأسئلة عن...
محليات

رحيل شمس: قصة ألم وأسئلة عن الرعاية الصحية

رحلت شمس، وترك فراغاً كبيراً في قلوب من عرفها، فهي كانت ابنة عمٍّ عزيزة، أخت عمرٍ وصديقة أيامٍ، وبعد رحلة مريرة مع المرض التي بدأت بالفشل الكلوي وتواصلت بآلامٍ مبرحة، ندعوا الله أن يجعلها كفارة لذنوبها ورفعةً لدرجتها، وأن يكتبها بين الشهداء.

لم تكن شمس مجرد ابنة عم، بل كانت صاحبة قلبٍ كبيرٍ ويدٍ بيضاءٍ، كريمةً ومعطاءة، تحبّ الأهل والضيف، وقد أظهرت أيام مرضها مكانتها في نفوس الناس؛ فلم تنقطع الزيارات ولا يتوقف السؤال عنها.

بكيناها بحزنٍ عميق، وافتقدناها بألمٍ مرّ، لكن عزاءنا في رحمة الله الواسعة وجزيل صبر الصابرين.

لكن وراء هذا الحزن تكمن قصة أخرى لا يمكن تجاوزها.

بداية المعاناة والعلاج

توفيت شمس في مستشفى الملك عبدالعزيز بالطائف، وترك رحيلها بالإضافة إلى ألم الفراق تساؤلات مؤلمة حول تجربتها العلاجية وحقوق المريض وعائلته.

وأشير إلى أنني كنت من المدّحين لخدمات الصحة في الطائف، ولا يزال ثقتي كبيرة بمنظومة الصحة في بلدنا، لكن الثقة لا تستدعي السكوت عن الملاحظات، والإشادة لا تمنع النقد عندما يكون هدفها الإصلاح.

بدأت معاناتها بمشكلة متعلقة بقسطرة غسيل الكلى، رافقها تجمع دموي ونوبات متكررة من ارتفاع الحرارة.

تباينت الآراء الطبية بشأن ضرورة التدخل الجراحي؛ فرأى بعضهم أن العملية ضرورية، بينما حذر آخرون من خطورتها، فانتقلت الأسرة إلى مرحلة من القلق والترقب.

بعد ذلك أُبلِغنا بتلاشي الكتلة، فحمدنا الله وغادرت شمس المستشفى، لكنها عادت بورم صغير في الرقبة أخذ في النمو، بينما كنا في انتظار نتيجة الخزعة التي لم تُعلن للأسرة قبل وفاتها.

أتساءل: هل يمكن تسريع الخطوات، أم يلزم الاستعانة بمراكز متخصصة أخرى؟ ولماذا تجد بعض العائلات نفسها أمام اقتراحات متناثرة بالانتقال بين المستشفيات، بدلاً من وجود مسار واضح للتشاور والإحالة عند الحاجة؟

أسئلة حول التنسيق والرعاية

إذا كان المرض قد ألمّ بجسدها، فإن بعض تفاصيل إقامتها أضافت ألمًا روحيًا.

تمّ وضعها في غرفة تشاركها مريضاتٌ أخرى، إحداهن تصرخ بلا انقطاع، ما زاد من معاناتها النفسية. فهل لا تستحق المريضة بيئة علاجية تراعي حالتها الصحية والنفسية وتساعدها على تحمّل الآلام؟

بعد خروجها من المستشفى كانت تعاني من نقص شديد في الأكسجين، ولم تحصل أسرتها – وفق ما أفادت – على إرشادات كافية للتعامل مع احتياجاتها المنزلية، ولم يتوفر جهاز الأكسجين لديها عند الخروج، مما جعل الأسرة في سباق مع الوقت لتأمينه.

ما هو مدى التنسيق بين الوحدات الطبية والخدمة الاجتماعية لضمان أن يخرج المريض بسلام؟

وأشد ما آلمني ما نقلته عائلتها عن بعض ممثلي المستشفى الذين ربطوا تقدمها في السن بقرب الأجل، مستشهدين بحديث «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين».

المصارحة بواقع الحالة صعب لكنها واجب مهني، بينما الرحمة في نقل المعلومة واجب إنساني؛ المريض ليس رقمًا في سجل طبي، ولا عمرًا يُقاس بما تبقى من سنوات.

إلى المسؤولين عن القطاع الصحي أقول: هذه ليست دعوة لإدانة مستشفى، بل شهادة أسرة عاشت تجربة مؤلمة، وتساؤلات تستحق المراجعة والتوضيح؛ فكريمة المريض وجودة رعايته والتواصل الواضح مع أسرته حقوق لا ينبغي أن تغيب.

لأن الإنصاف واجب، أشكر وأثني على مركز غسيل الكلى الذي كانت تتلقى فيه علاج شمس؛ فقد كان العاملين فيه مثالاً للرعاية وحسن التعامل، وكانت تعود من جلساتها مرتاحة رغم عناء المرض.

وأعود إليك يا شمس! لم أكتب عنك لأجدد أحزاني، فحزني عليك عميق ولا يمكن التعبير عنه بكلمات، وإنما كتبت لأنك كنت غالية في حياتي، وستظلين غالية بعد رحيلك، ولعل معاناتك تكون سبباً في تخفيف معاناة مريض آخر.

اللهم ارحمها يا شمس، واجعل ما نزل بها تطهراً ورفعاً، واجمعنا معها في فردوس النعيم الذي لا مرض ولا ألم ولا فراق.