عندما تتحول الاستبيانات إلى هدفٍ بحدّ ذاتها: ضرورة تحويل الملاحظات إلى تحسينات حقيقية

الاستبيانات بين الأداة والهدف
بعد انتهاء أي خدمة يجد المستفيد نفسه أمام طلب تقييم سريع عبر رسالة نصية أو إشعار إلكتروني أو نافذة منبثقة. يصبح التقييم جزءًا روتينيًا يكرر نفسه في كل encounter، وكأن الحصول على الخدمة ليس النهاية بل بداية لجولة جديدة من الاستبيانات.
الفجوة بين جمع البيانات وتطبيقها
لا شك في أن الاستماع إلى المستفيدين أساسي؛ الإدارة الحديثة تبني قراراتها على البيانات وليس على الحدس. ومع ذلك، عندما يصبح الاستبيان هدفًا بحد ذاته ويفصل عن الغاية التي وُجد من أجلها، تفقد قيمته. فالاستبيان لم يُصمم ليكون مجرد رقم يُضاف إلى تقرير الأداء، بل ليكون نقطة انطلاق للتحليل والمراجعة والتصحيح ثم التطوير.
من الاستبيان إلى الشراكة الحقيقية
بعض المؤسسات تجيد جمع البيانات وتمتلك قواعد معلومات ضخمة ورسومًا بيانية متقنة، لكنها تعجز عن ترجمة هذه الأرقام إلى تغيير ملموس على الأرض. تتراكم المؤشرات عامًا بعد عام بينما تبقى المشكلات كما هي، وكأن المطلوب هو مراقبة القصور لا تجاوزه. هذا يخلق شعورًا لدى المستفيد أن رأيه لا يغير شيئًا، فيفقد حماسه للمشاركة ويبدأ ينظر إلى الاستبيان كإجراء شكلي.
عندما يرى المستفيد أن ملاحظة قدمها قبل أشهر أدت إلى خدمة أكثر كفاءة أو إجراءً أكثر مرونة أو قرارًا أكثر عدلًا، يدرك أن صوته كان جزءًا من صناعة القرار، وليس مجرد خانة في نموذج إلكتروني. المؤسسات الناضجة لا تفخر بعدد الاستبيانات التي أرسلتها، بل بعدد التحسينات التي خرجت منها، وتعتبر نسب الرضا بداية مسؤولية جديدة وليس نهاية إنجاز.
المعايير المطلوبة في ظل التحول الوطني
مع ما يشهده المملكة من تحول وطني متسارع وارتفاع سقف التوقعات من الخدمات الحكومية والخاصة، فإن المرحلة الحالية تستدعي الانتقال من ثقافة جمع الآراء إلى ثقافة صناعة الأثر. المواطن والمقيم لم يعودا ينتظران رسالة تسألهما عن مستوى الرضا، بل ينتظرون خدمة أفضل في الزيارة التالية. أجمل صور الشفافية أن تعود الجهة إلى مستفيديها برسالة تقول: “استمعنا إلى ملاحظاتكم، وهذا ما تغير بفضلها.” عندها يتحول الاستبيان إلى شراكة حقيقية ويصبح القياس أداة لبناء الثقة.
السؤال الذي يجب أن يسبق كل استبيان
في النهاية، يبقى السؤال الحاسم: هل نحن مستعدون لتغيير ما ستكشفه نتائجه؟ إذا كانت الإجابة نعم، أصبح الاستبيان بداية إصلاح. وإذا كانت الإجابة لا، فإننا لا نقيس جودة الخدمات، بل نقيس قدرتنا على إنتاج التقارير. فال istituions لا تُقاس بعدد الأسئلة التي تطرحها على الناس، بل بعدد الإجابات التي تقدمها لهم على أرض الواقع.



