الرئيسيةمحلياتعندما يصبح اسم الاستشاري العالمي معياراً...
محليات

عندما يصبح اسم الاستشاري العالمي معياراً للثقة

الاعتماد على الأجانب وتجاهل الكفاءات المحلية

في كثير من المؤسسات يبرز مقترح يتقدم به موظف محلي يستند إلى خبرته العملية وتفاصيل العمل، لكنه لا يحظى باهتمام كبير، ثم بعد أشهر يعاد تقديم الفكرة نفسها في تقرير يحمل شعار شركة استشارية أجنبية، فتتحول فجأة إلى مبادرة تستحق الإشادة والسريع التنفيذ. يثار التساؤل: هل تغيرت الفكرة أم تغير فقط من قدمها؟

دور الشركات الاستشارية وقيمة المعرفة الداخلية

لا ينكر المقال أهمية الشركات الاستشارية العالمية عندما تُستعان بها لسد فجوة معرفية أو لنقل تجارب ناجحة أو لتقديم رؤية محايدة تساعد على اتخاذ القرار. لكن الملاحظة تكمن في تحول الاستعانة بها من خيار يفرضه الضرورة إلى ممارسة شبه تلقائية حتى في مشاريع يمكن للكفاءات الوطنية إنجازها بكفاءة. غالبًا ما تبدأ هذه الشركات عمل هذه الشركات بالاستماع إلى موظفي الجهة، وتلخيص ملاحظاتهم، ثم تقديمها في قالب احترافي، مما يطرح سؤالاً: إذا كانت المعرفة موجودة داخل المؤسسة، فلماذا لا نعتمد عليها منذ البداية؟

إعادة النظر في التوازن بين الخبرات الوطنية والعالمية

تشير المملكة، في إطار رؤية 2030، إلى استثمار كبير في بناء الإنسان وتأهيل الكفاءات الوطنية وتمكينها لقيادة التحول في مختلف القطاعات. إذا لم تُمنح هذه الكفاءات الفرصة لقيادة مشاريعها داخل مؤسساتها، فمتى ستكتسب الخبرة اللازمة؟ وكيف يمكن بناء بيوت خبرة وطنية قادرة على المنافسة إذا استمرت الملفات الاستراتيجية تُسند إلى الخارج؟

كما يثار موضوع كفاءة الإنفاق: هل تحقق العقود الاستشارية القيمة المضافة المتفق عليها؟ وهل يُقاس نجاحها بعدد التقارير والعروض التقديمية أم بالأثر الحقيقي على تطوير الأداء وتحسين الخدمات؟ فالتقرير، مهما كان جودة تصميمه، لا يحقق قيمة ما لم يتحول إلى نتائج ملموسة.

الخلاصة ليست في رفض الشركات الاستشارية الأجنبية، فهي شريك مهم عندما تستدعي الحاجة خبراتها، بل في تحويلها إلى الخيار الأول قبل استنفاد الإمكانات الداخلية. الثقة بالخبرة الوطنية لا تعني الانغلاق، والاستفادة من الخبرة الأجنبية لا تعني التقليل من قدرات أبنائنا. الأمر يتعلق بحسن التقدير وتوضيح مكان كل خيار.

السؤال الأسبق لأي تعاقد يجب أن يكون: هل استنفدنا فعلاً كل ما نملكه من خبرات وإمكانات قبل أن نبحث عنها في الخارج؟ لا نحتاج إلى مفاضلة بين الخبرتين، بل إلى تحقيق توازن نبدأ فيه بما نملك، ونستعين بما ينقصنا، ونجعل نقل المعرفة وبناء القدرات هدفاً لا يقل أهمية عن إنجاز المشروع نفسه.

ربما حان وقت إعادة النظر في المثل الشعبي “زامر الحي لا يُطرب/. فالأمم لا تُبنى لأنها تستورد الخبرات فقط، بل لأنها تؤمن بعقول أبنائها، وتمنحهم الفرصة ليبدعوا، ثم تستفيد من الخبرات العالمية لتكمل ما بدأوه، لا لتبدأ من حيث كان ينبغي أن يبدأوا. ربما لم تكن المشكلة يومًا أن “زامر الحي لا يُطرب/. بل أننا لم نصغِ إليه بما يكفي.