الرئيسية›عربي و عالمي›مستوى 4300 دولار محور صراع الذهب...
عربي و عالمي

مستوى 4300 دولار محور صراع الذهب بين التشدد النقدي وقوة الدولار.. هل يرتد أم يهوي؟

يدخل الذهب حالياً في واحدة من أكثر مراحله حساسية، بعد أن فشل في الثبات فوق حاجز 4300 دولار للأونصة، في ظل ضغوط متزايدة تنبع من السياسة النقدية الأميركية وارتفاع الدولار وعوائد سندات الخزانة. وترى رانيا جول، كبيرة محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن ما يشهده سوق الذهب ليس مجرد تصحيح عابر، بل إعادة تسعير واضحة لتوقعات مسار الفائدة الأميركية والعائد الحقيقي على الأصول المقومة بالدولار. ومع تحرك الأسعار قرب 4300 دولار وتسجيل خسائر أسبوعية، أصبحت هذه المنطقة اختباراً حاسماً لتحديد ما إذا كان التراجع سيبقى محدوداً أم سيتحول إلى تصحيح أعمق.

تشدد الفيدرالي يثقل كاهل الذهب

العامل الأكثر تأثيراً، وفقاً لجول، هو التحول الملحوظ في لهجة الاحتياطي الفيدرالي. فالسوق لم يعد يتعامل مع الفائدة باعتبارها في مسار هبوطي مستمر، بل بدأ يعيد تسعير احتمالية بقاء السياسة النقدية متشددة لفترة أطول، وربما اللجوء إلى رفع إضافي إذا ظل التضخم مرتفعاً ولم يتراجع الضغط السعري بالسرعة المطلوبة. هذه المعادلة مهمة جداً للذهب، لأن المعدن الأصفر لا يدر عائداً، وكلما ارتفعت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به، تراجعت جاذبيته على المدى القصير مقارنة بالأصول التي تمنح المستثمر عائداً.

الدولار القوي يضغط على المعدن الأصفر

وتشكل قوة الدولار الحلقة الثانية في هذه المعادلة، بحسب جول. ارتفاع العملة الأميركية لا يضغط فقط على الذهب باعتباره أصلاً مقوماً بالدولار، بل يعكس أيضاً انتقال جزء من السيولة العالمية نحو الأصول الأميركية، خاصة في بيئة ترتفع فيها العوائد وتتزايد فيها توقعات بقاء الفائدة مرتفعة. وقد أظهرت تحركات هذا الأسبوع أن الدولار استفاد بوضوح من إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية، بينما تعرض الذهب لضغوط بيعية متتالية. لذلك ترى جول أن أي محاولة لتعافي الذهب في المدى القصير ستحتاج أولاً إلى ظهور علامات ضعف حقيقية في الدولار، وليس مجرد توقف مؤقت في صعوده.

عوائد السندات ترتفع وتزيد تكلفة الفرصة

العامل الثالث الذي تراه جول بالغ الأهمية هو سوق السندات الأميركية. عائد السندات لأجل عشر سنوات تحرك قرب مستويات لم نشهدها منذ سنوات طويلة، وهو تطور لا يمكن تجاهله عند تحليل الذهب. ارتفاع العوائد يعني أن المستثمر يحصل على عائد أعلى من الأصول الحكومية الأميركية، وبالتالي ترتفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالسندات. والأهم من مستوى العائد نفسه هو اتجاهه؛ فإذا استمرت العوائد في الارتفاع بالتزامن مع صعود الدولار، فستبقى البيئة الكلية غير مريحة للذهب، حتى لو شهد المعدن ارتدادات مؤقتة نتيجة عمليات تغطية مراكز البيع أو الطلب على الملاذات الآمنة.

مخاطر جيوسياسية تدعم الذهب لكنها غير كافية

في المقابل، لا ترى جول أن الصورة الأساسية للذهب أصبحت سلبية بشكل مطلق. هناك عنصر مهم يعمل في الاتجاه المعاكس، يتمثل في المخاطر الجيوسياسية وارتفاع حالة عدم اليقين العالمي، فضلاً عن المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة والتضخم. هذه العوامل قد تخلق طلباً على الذهب باعتباره أحد أصول التحوط والملاذ الآمن، لكنها في المرحلة الحالية تواجه قوة الدولار وارتفاع العوائد. ولذلك تعتقد جول أن السوق يعيش صراعاً حقيقياً بين عاملين: الذهب يستفيد من المخاطر وعدم اليقين، لكنه يتضرر في الوقت نفسه من ارتفاع العائد وقوة العملة الأميركية.

وبناءً على هذه المعطيات، تميل رؤية جول الحالية إلى أن الذهب يحتاج إلى استعادة مستوى 4300 دولار والثبات فوقه حتى يبدأ في استعادة التوازن النفسي والفني. أما استمرار التداول أسفل هذا المستوى، فيعني أن الضغوط لا تزال قائمة وأن السوق قد يبحث عن مستويات دعم أدنى قبل أن تتشكل موجة صعود جديدة. وتشير بعض التحليلات الحالية إلى منطقة 4150 دولار كدعم مهم، مع احتمال امتداد التصحيح إلى منطقة 4000 دولار إذا حدث كسر واضح واستمر الضغط من الدولار والعوائد.

في المقابل، إذا نجح الذهب في امتصاص الضغوط الحالية والعودة فوق 4300 دولار، ثم تمكن لاحقاً من تجاوز منطقة 4400 دولار، فستعتبر جول ذلك إشارة مهمة على أن المشترين بدأوا يستعيدون السيطرة وأن السوق أصبح أكثر قدرة على مواجهة تأثير ارتفاع الدولار والعوائد. لذلك، لا ترى أن السؤال الحقيقي في هذه المرحلة هو: هل الذهب صاعد أم هابط؟ بل ترى أن السؤال الأهم هو: هل تستطيع الأسعار بناء قاعدة قوية فوق مستويات الدعم الحالية رغم استمرار التشدد النقدي؟

وخلاصة وجهة نظر جول أن الذهب يمر حالياً بمرحلة إعادة تقييم وليس بالضرورة بنهاية الاتجاه الصاعد طويل الأجل. المدى القصير يبقى حساساً للبيانات الأميركية، وتصريحات الاحتياطي الفيدرالي، وحركة الدولار وعوائد السندات، بينما ستظل التطورات الجيوسياسية عاملاً قادراً على تغيير المعادلة بسرعة. لذلك تتوقع استمرار التقلبات وارتفاع حساسية الذهب تجاه الأخبار الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، مع بقاء 4300 دولار مستوى محورياً في تحديد المسار. فإذا فشل الذهب في استعادته، فإن مخاطر التصحيح الأعمق تبقى قائمة، أما العودة والثبات فوقه ثم تجاوز 4400 دولار، فقد تعيد فتح الباب أمام استعادة الزخم الصاعد من جديد.

رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA).