الرئيسيةعربي و عالميأرمينيا على مفترق طرق بين الروابط...
عربي و عالمي

أرمينيا على مفترق طرق بين الروابط الروسية والاندماج الأوروبي

تتردد في أروقة موسكو هذه الأيام عبارات تشير إلى أن أرمينيا تقترب من لحظة حاسمة تحدد مستقبلها. تواجه الجمهورية القوقاسية الصغيرة، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي، خياراً صعباً بعد سلسلة من الهزات العسكرية والسياسية التي تلته منذ ما أُطلق «حرب كاراباخ الثالثة».

تراجع العلاقات الروسية الأرمينية

بعد تولي نيكول باشينيان رئاسة الحكومة في عام ٢٠١٨، بدأت العلاقة بين أرمينيا وروسيا تشهد انتكاسة مستمرة. لم يقتصر الانخفاض على المجال السياسي فحسب، بل امتد إلى التعاون العسكري والاقتصادي. منذ صعود باشينيان إلى السلطة، أعلن عن رغبة واضحة في تقريب أرمينيا إلى «الاتحاد الأوروبي» وتنويع مصادر الدعم، متجاوزاً الاعتماد التقليدي على موسكو.

تجلى هذا التحول عندما تدخلت روسيا في عام ٢٠٢٠ لإنهاء «حرب كاراباخ الثانية» وتخفيف الضغط عن يريفان، ما أدى إلى وقف مؤقت للنار. إلا أن الهدنة انهارت بعد ثلاث سنوات، لتتعرض أرمينيا لهزيمة عسكرية أمام أذربيجان بدعم تركي، ما فرض تسوية اعتُبرت مهينة على يريفان.

تحرك أرمينيا نحو أوروبا والولايات المتحدة

منذ تلك الخسارة، تصاعدت مساعي أرمينيا لتعزيز علاقاتها بالاتحاد الأوروبي وتوسيع التعاون مع الولايات المتحدة. وقد سُجل حضور عسكري أمريكي مباشر في جنوب القوقاز ضمن اتفاق سلام أبرمه الطرفان. وفي فبراير الماضي، أقرت الجمعية الوطنية مشروع قانون يشرع إجراءات الانضمام إلى «الاتحاد الأوروبي»، ما أظهر نية واضحة لتقريب أرمينيا من أوروبا.

في بداية الشهر، عقدت أول قمة بين أرمينيا والاتحاد الأوروبي في يريفان، حضرها ٢٧ زعيمًا أوروبيًا. وقد أضافت الدعوة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي ألقى تصريحات حادة ضد موسكو، إلى حدة التوتر بين يريفان وموسكو. ووصفت التحليلات الحدث بأنه إعلان صريح عن الانفصال الكامل بين الطرفين وتأكيد مسار الانضمام إلى أوروبا.

تحذيرات روسية وصوت بوتين

لم يتأخر الكرملين عن الرد، فوجه الرئيس فلاديمير بوتين إنذارًا واضحًا إلى يريفان، مطالبًا إما بالاندماج مع أوروبا أو بالاستمرار في التقارب مع روسيا. وأوضح أن استمرار عضوية أرمينيا في «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» مستحيل إذا أبرمت أرمينيا أي اتفاق شراكة مع أوروبا.

رغم أن باشينيان تجنب تصريحًا صريحًا، أكد أنه سيعتمد على استفتاء شعبي لتحديد المسار المستقبلي. وفي الوقت نفسه، أظهر عدم مشاركته في احتفالات «عيد النصر» على النازية إشارة غير مباشرة إلى اختيارات أرمينيا.

التداعيات الاقتصادية والسياسية

حذر الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف من أن انضمام أرمينيا إلى أوروبا سيقضي على «شروط التعاون المواتية» التي تتمتع بها مع موسكو، بما في ذلك أسعار الغاز والنفط المفضلة. وأشار إلى وجود «قوى سياسية داخل أرمينيا تدعم التوجه الروسي».

وفي سياق متصل، وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أرمينيا للقاء نظيره أرارات ميرزويان، وسط توقعات روسية بوجود تصريحات معادية لروسيا. كما حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من «محاولات جر أرمينيا إلى معسكر معادٍ لروسيا»، بينما أشار نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديميتري ميدفيديف إلى أن صبر موسكو بدأ ينفد.

وضع الخبراء تقديرات للخسائر المحتملة إذا اختارت أرمينيا مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، مشيرين إلى تأثير ذلك على الزراعة، الصناعات التحويلية، الهجرة والرسوم الجمركية. وتبين أن روسيا تبيع الغاز لأرمينيا بسعر ١٧٧.٥٠ دولار لكل ألف متر مكعب، بينما يدفع الأوروبيون ٦٠٠ دولار لنفس الكمية.

من الناحية الاقتصادية، أشارت تقارير روسية إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ارتفع من ٣٨٥٠ دولارًا في عام ٢٠١٥ إلى ٨٥٠٠ دولار في عام ٢٠٢٤، بعد انضمام أرمينيا إلى «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي». وبلغ حجم التبادل التجاري بين أرمينيا وروسيا ذروته عام ٢٠٢٤ بـ ١١.٧ مليار دولار، ثم انخفض إلى ٦.٤ مليار دولار عام ٢٠٢٥. بينما سجل حجم التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي في الفترة من يناير إلى نوفمبر ٢٠٢٥ ما مجموعه ٢.٢٣ مليار دولار.

تتجاوز التحذيرات الروسية الجوانب الاقتصادية لتشمل أبعادًا أمنية وسياسية أوسع. ترى الأوساط الروسية أن تقارب أرمينيا مع أوروبا يضعها في خانة «الأعداء»، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي أعلن استعداده للحرب مع روسيا، ما يجعل أي توطٌّ للاتحاد الأوروبي يُنظر إليه كتحالف مع العدو. وفي ظل تعقيدات المشهد الدولي، يُعَدُّ جنوب القوقاز نقطة تقاطع استراتيجي بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، ما يجعل تنويع أرمينيا للخيارات سلاحًا قد يهدد نفوذ موسكو في المنطقة.

أشار بعض الخبراء إلى أن أرمينيا قد تسلك مسارًا مشابهًا لأوكرانيا وجورجيا وأذربيجان في تجاوز الاعتماد على «الشقيق الأكبر». وأوضحوا أن جيلًا جديدًا لم يعرف الاتحاد السوفيتي قد لا يشعر بالحنين إلى ذلك الماضي، مما قد يدفع أرمينيا إلى إعادة توجيه سياساتها بعيدًا عن روسيا.