الرئيسيةمنوعاتذاكرة الأب: رحلة من الكرم والتضحية...
منوعات

ذاكرة الأب: رحلة من الكرم والتضحية والإيمان

ذاكرة الأب وصورته في الوجدان

توهمت أن الأمر قد قضي، وأن هذه طبيعة الأشياء، فإيماني أن انطلاق الروحِ في ملكوت الله تحرر من قيود الجسد الواهن، وتتابعت الأيام رتيبة، ثم استحضرت الذاكرة طيوف أبي من وراء سحب النسيان، تجلوه في صورته الرائعة التي رافقتني منذ فجر حياتي.
ومضت أربعون يومًا، ما غِبتُها عن أبي من قبل ولا غابها عنـي، وتتابعت الذكريات، ونما الأسف، والشعور بفقد صاحب الهمة العالية، والصوت الحاني، والشيمة الرفيعة، والحكمة البالغة، والبصيرة النافذة، والتدين السمح، الصبور في مواطن البلاء، الحليم في مواقف الغضب.

كرم الأب وعطاؤه للعائلة والمجتمع

أبي الذي عاملنا منذ الصغر برفق، وعشنا في ظله نملك الاختيار في كل شؤون حياتنا، حتى اختيار أن نغدو إلى المدرسة أو نغيب؛ فلا يزيد على تعداد ثمرات المثابرة، ومغبات الغياب.. أبي الذي بقي يحنو علينا وكأننا لم نكبر، فكان يرغب في السفر معي لمحاضرة، أو لقاء أدبي؛ حتى لا أكون وحيدًا، ثم يثنيه عن ذلك مخافة أن يشق عليَّ برفقته، أو أن أتكلف تذكرة سفره.
أبي الذي يتنازل عن بعض حقوقه استرضاءً لأقاربه، وتجاوزًا للخلاف، ثم يترضَّانا قائلاً: «ما تركت لله، سيبدلني الله خيـرًا منه»، ثم يقول كلمته التي حفظناها؛ لطول ما رددها: «إن الله يُصانع فيَّ»؛ أي: إن الله يدبر الأمور فتكون خير لي؛ دون تدبير مني.
أبي الذي كان بيته مفتوحًا للضيوف في حضوره وغيابه، مبذولًا فيه الخير لكل طارقٍ، أو غريبٍ، أو عابر سبيل، وما كان يذخر عنَّا شيئًا، في بيت مستنير بنوره، متسع بسماحته؛ وما هنالك إلا دخل قليل ولكنه مبارك.
أبي الذي ما كان يأسى لفوات شيء من متاع الدنيا؛ وما قيمة للمال عنده إلا بقدر ما يحقق من المكارم، ويقضي من الحوائج، ويسبغ من الستر؛ وكانت مقولته دائمًا: «خير المال ما سد الفجر»؛ أي ما أدُيت به الواجبات، أو قضى شيئًا من حوائج صاحبه، وليس ما ادخره.

تضحيات الأب في الخدمة والتعليم

أبي الذي سعى لفتح الطريق إلى قريتنا والقرى المجاورة، برغم معارضة أكثر الأهالي، وضحى في سبيل ذلك بالجهد والمال، وسعى في إيصال الكهرباء، والسقيا إلى قريتنا، وسعى لتجديد بناء مسجدها وتوسيعه على طراز حديث، وضحى بإحدى مزارعه لإقامة برج للاتصالات دون مقابل، وما كنت لأحصي أياديه ومبادراته في خدمة الناس، حتى إن بعضهم ليظنون أنه يجني من وراء ذلك مصالح خاصة، وما ألومهم فقد شق عليهم أن يكون هذا العطاء الكثير بلا ثمن.
أبي الذي علم القرآن، في ثلاث معالم، فلما افتتحت المدارس الحكومية أودع أبناءه لدى أصدقائه، في بلدات بعيدة ليلتحقوا بالمدارس، وسعى في سبيل افتتاح مدارس للبنات، وبذل جهدًا في إقناع الأهالي بضرورة تعليم بناتهم، ثم رافق أخواتي إلى حيث يتوافر معهد للمعلمات، وعانى مشقات التنقل والمواصلات حتى تخرجن، وأصبحن أول ثلاث معلمات سعوديات في مدرستهن الأولى.
أبي الذي غادر بيته وقريته، وكلف من يقيم مسجده؛ ليرافق أمي في رحلة علاجها، التي استمرت ثمانية أشهر؛ من مدينة إلى مدينة، ومن مستشفى إلى مستشفى، حتى لحقت بجوار ربها، وكان يعتذر إلينا، فيقول: «أعلم أن مرافقتي لكم في الأسفار تزيد الأعباء عليكم، ولكنني أجد في مرافقتها تسلية لها، وطمأنينة لي».
أبي الذي تخلى عن بيته وقريته التي قضى فيها عمره المديد ليسكن في المدينةِ قريبًا من بنيه وبناته، وقال لمن عاتبه عليه من جماعته: «أكره أن أشق عليهم، أو أجُرَّ عليهم العقوق»، ثم عانى المرض سنوات طويلة صابرًا حامدًا معينًا لنا على بره، وربما شق على نفسه حتى لا يشق علينا، وربما أخفى ألمه حتى لا يؤلمنا، وقد بلغ من رفق بنا أنني قال لي مرة: «لقد استبطأت الموت ولكني أكره أن تجزعوا».

البقاء في الذكرى والعزاء الإلهي

أطياف يجلوها الغياب، وتستدعيها الذاكرة، فيحاصرني الفقد، وتزدحم الذاكرة بجميل الصور، وكريم الشيم، وناصع المواقف.
وعزاؤنا رحمة الله لمن كان بنا رحيمًا، وإحسان الله لمن كان في شأنه كله محسنًا، وكرم الله لمن كان في دنياه كريمًا، ولطف الله بمن كان لطيفًا بالأيتام والغرباء والمساكين، عطوفًا عليهم.