بعد غياب ثلاثة عقود.. الشاعرة سارة الجريد تعود إلى منصة الشعر في أمسية 'ظل القصيد'

بعد غياب امتد لأكثر من ثلاثة عقود، عادت الشاعرة سارة الجريد إلى منصة الشعر حاملةً معها ذاكرة القصيدة ووهج البدايات الأولى. فقد أقيمت أمسية شعرية تحت عنوان “ظل القصيد” في مقهى السبعينات، ضمن مبادرة الشريك الأدبي، وقفت فيها الجريد مجددًا في دائرة الضوء لتستعيد علاقتها الإنسانية بالكلمة.
عودة محملة بالذاكرة والوهج
وجاءت هذه العودة محملة بصوت احتفظ بوهجه في الذاكرة، وبقصيدة اختارت الصمت زمنًا طويلًا ثم عادت حين نضجت لحظة البوح. فقد مثلت الجريد حضورًا شعريًا خاصًا، خرج من عمق التجربة وصدق الإحساس، ليعيد للقصيدة دفئها الأول ودهشتها التي لا تنطفئ.
نصوص وجدانية ووطنية
وخلال الأمسية، قرأت الجريد عددًا من نصوصها الشعرية، من بينها قصيدة “عناد الشوق” من ديوانها، التي جاءت بنبرة وجدانية شفيفة، يتقاطع فيها الشوق مع المكابرة، والحنين مع محاولة المقاومة، فقالت فيها:
أشوف الشوق يعاندني
يقرّب صورتك منّي
يخلّي رغبتي تزداد
في شوفك يا نظر عيني..
كما قرأت قصيدة أخيها “سكة التائهين” التي غناها فنان العرب محمد عبده، في استعادة لنص شعري عبر من الورق إلى الوجدان الجمعي، وحمل صوت الشاعرة إلى مساحة أوسع من التلقي والحضور.
وحضرت في الأمسية قصيدة “بنت الحجاز” التي استحضرت فيها الجريد ملامح الانتماء والحنين إلى المكان، في نص امتزجت فيه الذاكرة بالهوية، فقالت:
حجازية
أنا أحب الحجاز وأفرح
إذا قالوا حجازية
جذوري صح نجدية
لكن كل أحلامي
وأحلى وأجمل أيامي
تمرّ بحلم قدامي
حجازية
ولم تغب القصيدة الوطنية عن الأمسية، إذ ألقت قصيدتها “عاش سلمان” التي حملت نبرة وفاء وانتماء، واستحضرت مكانة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، في وجدان الوطن، فقالت:
الكل ردّدها وقال
من الجنوب إلى الشمال
من شرقها وغربها
وبكل لهجات ولسان
عاش سلمان..
الذاكرة والبدايات الأولى
وفي سياق الأمسية حضرت الذاكرة بوصفها جزءًا أصيلًا من التجربة الشعرية والإنسانية، حيث استعاد الحديث بدايات الشاعرة مع الكتابة وعلاقتها الأولى بالكلمة، وأثر أخيها ناصر رحمه الله في تكوين ذائقتها وفتح أبواب المعرفة أمامها. فقد كان ناصر رحمه الله نافذتها الأولى إلى العالم الواسع، واليد الحانية التي قربت إليها الكتب والشعر والأدب والمجلات والأسطوانات، ومنحتها شعورًا مبكرًا بأن للكلمة قيمة، وأن الكتابة ليست مجرد حروف تُقال بل أثر يبقى في الروح والحياة.
وفي تلك البدايات كانت تكتب كلمات بسيطة، لكنها كانت في داخلها كبيرة المعنى، وكانت تترقب رأي أخيها ناصر رحمه الله كما يترقب الكاتب رأي ناقد أو فيلسوف. فقد كان قارئًا عميقًا، صاحب ذائقة أدبية رفيعة، يعرف كيف يرى في البدايات الصغيرة بذرة قابلة للنمو. وربما لم يكن يدرك حينها أن دعمه الهادئ كان يصنع في داخلها طريقًا طويلًا نحو الأدب والمعرفة والوعي بالجمال.
احتفاء بالشعر والإنسان
وجاءت الأمسية مساحة للاحتفاء بالشعر حين يعود محملاً بالذاكرة، وبالإنسان حين يجد في الكلمة طريقًا للضوء بعد الغياب. وبين صوت الشاعرة وحضور الجمهور، تجدد اللقاء مع القصيدة بوصفها ظلًا لا يغيب وذاكرة تعرف كيف تحفظ الجمال حتى موعد عودته.
رحم الله ناصر الجريد، فقد كانت حكايته معها بداية وعي وباب محبة ونافذة أطلت منها الشاعرة على العالم، ومنها عادت اليوم إلى الضوء لا لتقول الشعر فقط بل لتعيد للذاكرة حقها من الامتنان.



