الرئيسيةكتاب و آراءمفهوم الهابيتوس الصحوي وتأثيره على الذائقة...
كتاب و آراء

مفهوم الهابيتوس الصحوي وتأثيره على الذائقة الفنية والسلوك الاجتماعي

يحاول كاتب المقال تقديم شرح نظري لمصطلحين مركزيين في علم الاجتماع، هما “الهابيتوس” و”البارادايم”، لينطلق منهما إلى تحليل ظاهرة اجتماعية أطلق عليها اسم “الهابيتوس الصحوي”، وأثرها في تشكيل ردود فعل الأفراد وسلوكياتهم، خاصة فيما يتعلق بالفنون والتسامح المذهبي.

البارادايم والهابيتوس: منظومة مفاهيم مهيمنة

يُعرِّف الكاتب (الهابيتوس) بأنه تطبع لا إرادي في الفهم والذوق وردود الفعل، ينشأ عن (بارادايم) أو فهم فكري يبدأ مع النشأة ويكوّن نظرة الفرد للحياة والمجتمع. ويوضح أن (البارادايم) هو منظومة مفاهيم متماسكة أيديولوجيا، وليس بالضرورة متماسكة علميا أو دينيا، يعيش المجتمع في ظلها لسنوات طويلة حتى تتحول إلى هابيتوس وجداني وسلوك مهيمن على اللاوعي ومنعكس على الوعي.

ويشير الكاتب إلى أن البارادايم قد يتغير مع الزمن، مثل تغير الموقف من قيادة المرأة للسيارة، لكن الهابيتوس الذي زرعه في الوجدان حول المسموح والمحظور لا يزول كله فورا، بل يبقى لسنوات وعقود أحيانا، صانعا وسواسه القهري على الذات عند من يخالفه.

أمثلة من الواقع: من اللوحات الفنية إلى أغاني أم كلثوم

يقدم الكاتب أمثلة محتملة لتقريب الفهم، منها قصة شخص يقيم في فندق فاخر ويتفاجأ بوجود لوحة فنية أنيقة على الجدار تحوي صورا لذوات أرواح. يصف الكاتب كيف أن هذا الشخص يتضايق لا إراديا من النوم في الغرفة ويصنع إشكالا مع إدارة الفندق لتغيير الغرفة. وعندما لا تستوعب إدارة الفندق البارادايم الذي عاش فيه هذا الشخص، وترد عليه بأن اللوحات مطبوعات كانفس لأعمال عالمية، تظهر أزمة الهابيتوس الصحوي ضد الفنون بأنواعها، حيث إنه يستغفر من الموسيقى في بهو الفندق لكنه يتصالح مع نفسه بحجة الضرورات، ولكنه لا يقبل الصورة المعلقة.

ويضيف الكاتب أن الشخص يعتاد في سفرياته الأخرى على نزع اللوحة من الجدار ووضعها مقلوبة على وجهها في دولاب الفندق أو تحت السرير حتى خروجه دون ضجة.

كما يظهر البارادايم والهابيتوس في الموقف من أغاني أم كلثوم عند فقيه أزهري مصري وفقيه من بيئة أخرى، وفي تفسير ما تتداوله المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي قبل مصر وبعدها. ويذكر الكاتب مثالا آخر عن استخدام أحد علماء المدرسة السلفية النجدية مصطلح “الضريح” في كتابه “السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة” في منتصف القرن الثالث عشر الهجري بمكة المكرمة، مشيرا إلى أن السلفي التقليدي الحالي يتساءل لماذا لم يجد المؤلف عنوانا آخر، متناسيا البارادايم الذي عاش في ظله المؤلف.

الكتلة الصلبة للهابيتوس الصحوي: جيل الصحوة والتسامح المذهبي

يصف الكاتب “الكتلة الصلبة” للهابيتوس الصحوي بأنهم الجيل الذي نشأ منذ نعومة أظفاره داخل أيديولوجيا الصحوة، ولم يدرك الفترة التاريخية التي قبلها. ويضرب مثالا من تجربته الشخصية كطفل من مواليد 1973م، حيث كان يصلي مع والده في مسجد حارتهم بإحدى مدن جنوب المملكة، وكان هناك يمنيون كثيرون يصلون معهم ويقفون متوزعين بتلقائية في الصفوف وهم مسبلو الأيدي في الصلاة دون نكير من أحد، كما لو كان مسجد الحي مثل الحرم المكي في تنوع طوائفه ومذاهبه. ويؤكد الكاتب أنه حتى جاء البارادايم الصحوي، اختفى التسامح المذهبي بين الناس وشربوا “سم الطائفية”.

ومع ذلك، لا يبرئ الكاتب جيله تماما، مشيرا إلى أن بعض زملائه في كلية الشريعة أصبحوا فيما بعد مفتين لداعش وقُتلوا في إحدى معاركها، محيلا القارئ إلى محرك البحث تحت عنوان “مقتل مفتي داعش 2015”.

أجيال أقل تصلبا وخلط الصحوة بالإرهاب

يذكر الكاتب أن هناك جيلا أقل تصلبا وأخف في أعراض الهابيتوس الصحوي، وهم الجيل الذي نشأ مع دخول الفضائيات والإنترنت، فهم أقل حدة من سابقيهم. ويؤكد أن ما يعرضه هو محاولة لإيصال الفكرة بشكل مبسط وعام، وليس حرصا على الدقة المنهجية التي تقتضيها أبحاث علم الاجتماع.

وفي رده على من يسأل عن خلط الصحوة بالإرهاب، يقول الكاتب إن هذا يتجاهل أن أحد أكبر زعماء الصحوة المعروفين تحمس لصالح الإرهابيين في حقبة مضت، وطرح نفسه وسيطا للتفاوض بين وزارة الداخلية والإرهابيين. ويتساءل الكاتب عن ممانعتهم المبدئية في تسمية من يقتل رجال الأمن بالإرهابي حفاظا منهم على مصطلحهم الأثير (المجاهدين، الاستشهاديين). ويختتم المقال بالقول إن للحديث بقية.