الرئيسيةكتاب و آراءالمثقف بين الأخلاق والمعرفة: تأملات في...
كتاب و آراء

المثقف بين الأخلاق والمعرفة: تأملات في مفهوم الثقافة

يقول الكاتب المصري الأديب سلامة موسى: (ثلاثة يمثلون العبقرية البشرية هم: نابليون الذي يمثل عبقرية الإرادة، وآينشتاين الذي يمثل عبقرية الذهن، ودوستويفسكي الذي يمثل عبقرية الإحساس)، والأخيرة منها فتحت أمامي تساؤلات عن معنى المثقف، وعن مدى تلازم الأخلاق بالثقافة، ولماذا يميل كثير من الناس للروايات وللأدب الروسي تحديداً وكتابات دوستويفسكي على وجه الخصوص.

تساؤل حول معنى المثقف

برأيي أن الكثير من الناس –إن لم يكونوا كلهم– يولي المشاعر والعواطف الكثير من الاهتمام، ويهمهم في المقام الأول أن يروا الجانب الإنساني من الآخرين تجاههم حين التعامل معهم حتى ولو كابر بعضهم وتظاهر بأن معرفة الشخص وثقافته وسعة اطلاعه أهم وأولى ولا تستلزم أن يكون ذا خلق وسلوك حسن، فهم في قرارة أنفسهم ينكرون ذلك، وعند أول اختبار أو موقف يزعجهم من غيرهم يتراجعون مباشرة عن رأيهم السابق، ورأيي هذا يذكرني بمقولة للعقاد -رحمه الله- ذكر منها: (.. ولهذا يفوتني أحياناً أن أفرق بين كراهة المبدأ وصاحب المبدأ، ولا يسيغ طبعي ما يقال عن التفرقة بين العمل وعامله لأن العمل لا يكون خبيثاً وعامله من الأطهار).

المعنى اللغوي والأخلاقي للمثقف

صحيح بأن كلمة (المثقف) المتفق عليها عند الكثير من المختصين والباحثين وعموم الناس لا تتجاوز معنيين، أولهما: تعني بأن (المثقف) هي اشتقاق من الجذر اللغوي (ثقف) والتي تعني التقويم والتسوية كقولنا (ثقف الرمح)، وتعني تهذيب النفس وتأديبها، فهذا هو المثقف في سلوكه والذي له أسلوبه الخاص وثقافته في المأكل والملبس ونمط الحياة والتعامل الحسن مع الآخرين واحترامهم وعدم الإساءة لهم، وربما تجده مهندم ومرتب، وأسلوبه في الحديث جذاب، لا يقاطع الآخرين، ودقيق في اختيار المفردات والألفاظ، ولا يتعمد الخطأ، وثانيهما: تعني (المثقف) من سعة الاطلاع وغزارة المعرفة حتى ولو كان منحرفاً أخلاقياً، ولكنه في نظر البعض يظل (مثقفاً)! وهنا يتبادر للذهن سؤال: لماذا إذاً لم ينتفع من علمه ومعرفته لتتحسن أخلاقه ويرتقي سلوكه؟ فالمجتمع قد لا يرى بأنه مهذب أخلاقياً، ولا يرى انعكاس ثقافته المعرفية على سلوكه، وهو قد يرى عكس ذلك من منظوره الخاص بأنه بالفعل قد استفاد من معرفته وأنه كل يوم يتطور، وهذا يقودنا ويذكرنا بأن الأخلاق نسبية كغيرها من النسبيات (كنسبية الجمال، والخير، ونسبية الحقيقة)، فما تراه أخلاقياً قد أرى خلافه، فهو قد يرى بأن الابتسامة والتعامل الحسن والمبادرة بالسلام أمور غير ضرورية، ولكنه يرى بأن واجبه الأخلاقي يحتم عليه عدم أذية الآخرين فقط!

كيف يصف الناس مثقفهم؟

وأخيراً، فعن نفسي أكاد أجزم بأن الكثير من الناس عندما يتحدثون عن أحدهم وهم معجبون بأخلاقه وبالقليل مما يحمله من الثقافة فهم غالباً يقولون بعفوية وتلقائية: (والله فلان مثقف) أو ما شابه ذلك من العبارات، أما سيئ التعامل والمتكبر والمغرور فغالباً ينفرون بسجيتهم من إلصاق هذا اللقب (كلمة مثقف) به، فألسنتهم لا تستطيع نطقها، ولذلك تجدهم يقولون بدلاً ذلك: (فلان فاهم) أو (حاذق) أو (عميق في قراءاته) وما شابهها من العبارات، فقط لاحظوهم حولكم، ومن تعرفون منهم تلك السمات، وتأملوا مشاعركم وسلوككم تجاههم، فربما أكون مخطئاً أو قد توافقونني على ذلك.

محمد عبدالله العتيبي