الرئيسيةكتاب و آراءالإسكان في رؤية 2030: مؤشر يرتبط...
كتاب و آراء

الإسكان في رؤية 2030: مؤشر يرتبط بالصحة وجودة الحياة

منذ انطلاق رؤية 2030، احتل قطاع الإسكان موقع الصدارة ضمن برنامج جودة الحياة، حيث يهدف إلى رفع نسبة تملك الأسر السعودية لمنازلها إلى 70 % بحلول عام 2030. وقد ارتفعت هذه النسبة من 47 % في عام 2016 إلى 66.2 % بنهاية عام 2025، كما تجاوز عدد الأسر التي حصلت على مسكن من خلال برنامج الإسكان 851 ألف أسرة.

الرؤية وأبعادها الاجتماعية والاقتصادية

تستند رؤية البرنامج إلى فكرة أن تملك المساكن يُعد من الأصول الأساسية التي تعزز جودة حياة الأسر والمجتمع ككل. وتُظهر هذه الفكرة أبعاداً اقتصادية واجتماعية واضحة، وتستدعي أيضاً قراءة صحية، إذ يُعَدّ السكن أحد أهم العوامل التي تؤثر على صحة الأسرة على المدى الطويل.

الصحة العامة وعلاقة السكن بالعيش الطويل

تتجلى علاقة السكن بالصحة في أدبيات الصحة العامة، حيث يسلّط السير مايكل مارموت، المرجع البارز في المحددات الاجتماعية للصحة، الضوء على مشهد في لندن يظهر تراجع متوسط العمر المتوقع كلما تقدم المترو إلى محطات ذات ظروف سكنية وحياتية أقل ملاءمة. ويُستنتج من ذلك أن عنوان السكن قد يكون أقوى مؤشر على الصحة من الشيفرة الجينية نفسها، إذ لا يقتصر دور المسكن على كونه بنية مادية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى كونه بيئة صحية تتراكم آثارها من خلال الاستقرار الذي يوفره وجودة المبنى ومحيط الحي.

الاستقرار السكني وتأثيره النفسي

لا يُقاس الاستقرار في المسكن بقيمته المالية فقط؛ فحين يتأخر استقرار الأسرة في مسكنها، يواجه أفرادها ضغوطاً نفسية مزمنة تُعدّ أحد أهم المحددات الاجتماعية للصحة وفقاً لعلوم الصحة العامة. ويرتبط ذلك بارتفاع معدلات القلق والأمراض المزمنة على المدى الطويل. وقد لخص وزير البلديات والإسكان، الأستاذ ماجد الحقيل، هذا الأثر في حوار إعلامي حديث قائلاً إن ارتفاع نسب التملك يصاحبه “فرح واستقرار” في حياة الأسر، وهو ما يُعبر عن الأثر النفسي للاستقرار السكني. ومن هذا المنطلق، فإن هدف رفع نسبة التملك إلى 70 % يحمل بُعداً صحياً إلى جانب البُعد الاقتصادي، ويؤثر على الأسرة بأكملها.

جودة المبنى والحي كعوامل صحية

تشكل جودة المبنى ومحيط الحي المكوّنين الآخرين لشبكة الأثر الصحي. فالمسكن الجيد التهوية والإضاءة يحد من أمراض الجهاز التنفسي، بينما يوفر الحي الذي يضم حدائق ومسارات داخل التجمعات السكنية فرصاً للنشاط البدني اليومي وروابط اجتماعية تعزز الفوائد الصحية على المدى الطويل. وقد تجسدت هذه المفاهيم في توجه وزارة البلديات والإسكان نحو “إنسنة المدن” ومعايير برنامج “البناء المستدام” التي تُعنى بجودة البيئة الداخلية للمسكن وتأثيرها على صحة ساكنيه. وبالتالي، يكتسب نصيب الفرد من الحدائق داخل الأحياء السكنية ومستوى البناء السكني بُعداً صحياً يستحق المتابعة كما تُتابع باقي مؤشرات الرؤية.

إلى جانب متابعة نسبة التملك وعدد الوحدات ومتوسط الأسعار، تظهر قراءة أخرى تستحق الانتباه: عندما يُقاس الإسكان بأثره الصحي، يتضح أنه يساهم في تقليل المخاطر الصحية المزمنة قبل تراكمها. وبالتالي، لا يُعدّ الإسكان مجرد هدف رؤيوي، بل استثماراً صحياً يدعم استدامة المنظومة الصحية على المدى الطويل.