الرئيسيةمنوعاتبقلم - باسم صالح البارع.. "عينٌ...
منوعات

بقلم - باسم صالح البارع.. "عينٌ تحمل ضوء الحجيج"

بقلم – باسم صالح البارع

في مكة، لا يكون التصوير مجرد مهنة، وإنما يصبح شكلًا من أشكال الشهادة على لحظات لا تتكرر. أقف كل يوم في بهو الفندق، والكاميرا بين يدي، فأشعر أنني لا أوثق صورًا عابرة، بل ألتقط نبض أرواح جاءت من أقاصي الأرض تحمل الشوق، والتعب، والرجاء.

أنا مصور، ومهمتي تبدو للوهلة الأولى بسيطة: صورة لحاج، لقطة لعائلة، مشهد وصول، ابتسامة عند الاستقبال. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. خلف كل وجه حكاية طويلة؛ أمٌّ انتظرت هذه الرحلة عمرًا كاملًا، رجلٌ مسنّ يرفع عينيه نحو السماء وكأنه يرى حلمه يمشي أمامه، شاب يساعد والديه في صمت، وطفل يراقب المشهد بدهشة بريئة لا تعرف بعد معنى القداسة، لكنها تشعر بها.

في هذه الأيام، يتغير معنى العدسة. لا أبحث عن الزاوية الأجمل فقط، بل عن اللحظة الأصدق. عن دمعة تختبئ خلف ابتسامة، عن يدٍ ترتجف وهي تمسك ببطاقة الفندق، عن حاجٍّ يلتفت إلى الكعبة من بعيد كمن عاد إلى بيت كان يسكن قلبه قبل أن يراه بعينيه.

مهنة التصوير هنا لا تحتمل البرود. لا يمكن أن تكون مجرد ضغط على زر. في مكة، الصورة أمانة، لأن الحاج لا يريد ذكرى جميلة فحسب، بل يريد دليلًا صغيرًا يقول له بعد سنوات: كنت هناك، وصلت، دعوت، بكيت، ولامس قلبي المكان.

أحيانًا أشعر أنني لست خلف الكاميرا، بل داخل المشهد. أتعلم من وجوه الحجاج معنى الصبر، ومن خطواتهم معنى اليقين، ومن ازدحامهم المنظم معنى أن العالم، رغم اختلاف لغاته، يمكن أن يجتمع على نداء واحد.

في موسم الحج، تصبح كل صورة نافذة على الإيمان. وأبقى أنا، المصور، شاهدًا هادئًا على أعظم رحلة إنسانية وروحية؛ رحلة تبدأ من الطريق إلى مكة، ولا تنتهي إلا حين تتحول الذكرى إلى نور لا يبهت.