«شرفة هتلر» في فيينا: جرحٌ مفتوح في الذاكرة النمساوية بعد تسعين عاماً على الأنشلوس

تظل الشرفة المشهورة المطلة على ساحة الأبطال في عاصمة النمسا، فيينا، موضوعاً للجدل الواسع حول سبل التعامل مع أحد أبرز رموز الماضي النازي في البلاد. تُعرف هذه الشرفة شعبياً باسم «شرفة هتلر»، وهي الموقع الذي أعلن منه الزعيم النازي أدولف هتلر في 15 مارس 1938 ضمّ النمسا إلى ألمانيا النازية، وهو الحدث الذي يُشار إليه باسم «الأنشلوس»، بحسب ما أوردته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.
الموقع التاريخي والرمزية
تقع الشرفة داخل جناح «نويه بورغ» من قصر هوفبورغ الإمبراطوري، أحد أبرز معالم فيينا التاريخية. وعلى الرغم من أن الذاكرة العامة تربطها بإرث أسرة هابسبورغ التي حكمت الإمبراطورية النمساوية، يرى المؤرخون أن اختيار النظام النازي لاستخدام هذا المكان لم يكن عشوائياً، بل جاء في إطار سعيه لتقديم نفسه كوارثٍ للتراث الإمبراطوري الألماني والأوروبي.
من «الضحية الأولى» إلى الاعتراف بالمسؤولية
على مدار عقودٍ بعد الحرب العالمية الثانية، تبنت النمسا رواية تُصنّفها «الضحية الأولى» للنازية. إلا أن هذه السردية تعرضت لتحديات كبيرة منذ ثمانينات القرن الماضي، لا سيما بعد الجدل الذي أُثير حول ماضي الرئيس النمساوي الأسبق كورت فالدهايم خلال حملته الانتخابية عام 1986. ومنذ ذلك الحين ترسّخ مفهوم «المسؤولية المشتركة» في الأوساط السياسية والأكاديمية، وهو مفهوم يقرّ بأن قطاعات واسعة من المجتمع النمساوي رحّبت بالحكم النازي وشاركت في دعمه. يستشهد المؤرخون بصورةٍ تُظهر مئات الآلاف من النمساويين المتجمعين في الساحة لسماع خطاب هتلر، معتبرين إياها دليلاً على حجم التأييد الشعبي الذي حظي به في ذلك الوقت.
الموقع بعد الحرب ومراحل الإغلاق
بعد انتهاء الحرب، ظلّت الشرفة مهملة إلى حد كبير، رغم استخدامها في مناسبات محدودة، من بينها خطاب ألقاه الحائز على جائزة نوبل للسلام إيلي فيزيل عام 1992. وفي وقت لاحق أُغلقت الشرفة رسمياً لأسباب تتعلق بالسلامة والبنية التحتية. ومنذ افتتاح «بيت التاريخ النمساوي» داخل القصر عام 2018، تحوّلت الشرفة إلى محور نقاش وطني حول كيفية التعامل مع هذا الإرث. طرحت المؤسسة سؤالاً مباشراً على الزوار: هل ينبغي إبقاء الشرفة مغلقة بسبب تاريخها، أم فتحها لتواجه ذلك التاريخ؟ أظهرت نتائج التصويت تأييداً كبيراً للخيار الثاني؛ حيث صوّت أكثر من 220 ألف شخص لصالح فتحها مقابل نحو 30 ألف فقط فضلوا استمرار إغلاقها.
معركة الذاكرة المستمرة
في السنوات الأخيرة نُظمت معارض ومشاريع فنية ونقاشات عامة لإعادة التفكير في وظيفة هذا الموقع ورمزيته، خاصةً في ظل صعود تيارات اليمين المتطرف في أوروبا. وبينما يستعد «بيت التاريخ النمساوي» للانتقال إلى مقر جديد، يؤكد القائمون عليه أن الجدل حول مستقبل «شرفة هتلر» سيبقى قائماً كجزء من مواجهة النمسا لماضيها، ساعياً إلى تحويل هذا المكان من رمز للنازية إلى مساحة للتأمل والنقاش الديمقراطي حول التاريخ، الذاكرة والمسؤولية الجماعية.



