الرئيسيةمحلياتقضية تشيخ الأوطان: تحليل للتحديات الديموغرافية...
محليات

قضية تشيخ الأوطان: تحليل للتحديات الديموغرافية ودعوة لتعزيز الأسرة

مفهوم تشيخ الأوطان

لا تشيخ الأوطان بمرور السنين، بل تشيخ عندما يقل عدد أبنائها وتتراجع الأسر ويصبح الزواج عبئاً والإنجاب خياراً مؤجلاً أو محدوداً. هذه المسألة لم تعد شأناً أسرياً خاصاً، بل أصبحت قضية وطنية تستحق الوقوف أمامها بجدية.

التحديات الاقتصادية والاجتماعية

استوحى الكاتب من مقال للدكتور عبدالعزيز الخضيري المنشور في صحيفة مكة تحت عنوان “حين يشيخ الوطن بصمت” الذي تناول قضية اجتماعية وطنية بالغة الأهمية تستحق اهتمام المجتمع وصناع القرار. فالقضية ليست عابرة، بل تمس حاضر الوطن ومستقبله وتستوجب المعالجة قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تداركه.

تناقص المواليد وعزوف عدد من الشباب عن الزواج ظاهرتان تستحقان الدراسة لأن الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع وتقوم عليها الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ومنها تنطلق الأجيال التي تحمل مسؤولية البناء والتنمية.

عند تأمل الواقع نجد كثيراً من الشباب يؤخرون الزواج سعياً لتكوين أنفسهم، بينما يعزف آخرون عنه بسبب الأعباء الاقتصادية. كما أن بعض المتزوجين يكتفون بطفل أو طفلين ليس لغياب الرغبة في تكوين أسرة أكبر، بل بسبب التحديات المعيشية المتزايدة.

العديد من الوظائف في الشركات والمؤسسات تقدم رواتب تتراوح بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف ريال، وهي في كثير من الأحيان لا تكفي لتأسيس بيت مستقر يوفر الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، خاصة في مجتمع يتميز بترابطه الأسري وكثرة التزاماته الاجتماعية وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة.

ثم تأتي مسؤولية الأبناء وما تتطلب من رعاية صحية وتعليمية وتربوية لتضاعف من حجم التحديات. وإذا كانت الأم عاملة فإنها تتحمل مسؤولية مزدوجة بين بيتها وعملها، وهي مسؤولية تستحق كل التقدير والدعم.

استمرار هذه الظروف قد يؤدي مع مرور الزمن إلى اختلال في التركيبة السكانية بحيث تتراجع نسبة الشباب ويزيد عدد كبار السن، وهو ما ينعكس على النشاط الاقتصادي والحيوية الاجتماعية لأي مجتمع.

الحلول والدعوة للعمل

من هنا يبرز التساؤل: أين الدراسات المتخصصة التي ترصد هذه الظاهرة وتبحث أسبابها وتقدم حلولاً عملية لها؟ إن مثل هذه القضايا لا ينبغي أن تُترك للاجتهادات الفردية، بل تستحق أن تكون ضمن أولويات البحث والتخطيط.

ما أعجبني في مقال الدكتور عبدالعزيز الخضيري أنه لم يكتف بتشخيص المشكلة بل طرح عدداً من الحلول العملية التي أؤيدها، وفي مقدمتها إزالة العقبات التي تؤخر الزواج والحد من الأسباب التي تدفع بعض الأسر إلى تقليل الإنجاب. الشباب بحاجة إلى مزيد من التيسير سواء من خلال القروض الميسرة أو تسهيل الحصول على السكن أو تخفيف الأعباء المرتبطة بمستلزمات الأطفال الأساسية مما يساعدهم على بدء حياتهم الأسرية بثقة واستقرار.

كما أن تعزيز السياسات الداعمة للأسرة وربط بعض أوجه الدعم بعدد الأبناء من الأفكار التي تستحق الدراسة، إلى جانب دعم الأمومة وتقدير الدور العظيم الذي تؤديه الأم سواء كانت عاملة أو متفرغة لأسرتها؛ فكلتاهما تؤدي رسالة نبيلة في بناء الإنسان، والأم المتفرغة تتحمل مسؤولية تربوية واجتماعية تستحق مزيداً من التقدير والاعتراف.

إن معالجة عزوف الشباب عن الزواج، الحد من الطلاق، تعزيز قيمة الأسرة وتشجيع الإنجاب ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية تشترك فيها المؤسسات الحكومية والإعلام والقطاع غير الربحي والمجتمع بأسره عبر نشر الوعي وتطوير المبادرات وتقديم الدعم المعنوي والمادي الذي يعزز استقرار الأسرة ويجعلها أكثر قدرة على أداء رسالتها.

الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان والأسرة والطفل. وبهم يبقى الوطن شاباً وتتجدد نهضته جيلاً بعد جيل. ودمتم.

اللهم زد بلادنا عزاً ومجداً، وزدنا بها عشقاً وفخراً.

هل تشيخ الأوطان!؟