رحيل الشيخ أحمد الدهيسي المالكي.. مسيرة عطاء وإصلاح اجتماعي

تكتسب الشخصيات الاجتماعية مكانتها من الأثر الذي تتركه في مجتمعها، لا من الألقاب التي تحملها أو الأنساب التي تنتمي إليها. فالمكانة الموروثة قد تمنح صاحبها القبول، لكن الاحترام الحقيقي لا يتحقق إلا بالعمل الصالح، وحسن السيرة، والقدرة على خدمة الناس. وهذه المعايير هي التي تحفظ المكانة وتعززها عبر الزمن.
فقدان رجل إصلاح وخدمة مجتمعية
برحيل الشيخ أحمد بن معيض بن خلف الدهيسي المالكي، شيخ قبائل بني دهيس من قبائل بني مالك، فقدت المنطقة أحد رجالاتها الذين ارتبطت أسماؤهم بالإصلاح بين الناس، وتعزيز التلاحم الاجتماعي، ورعاية المبادرات الخيرية والعلمية. وقد جسد الراحل من خلال هذه الأدوار مفهوم المشيخة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون مكانة اجتماعية.
ينتمي الشيخ الراحل إلى أسرة عريقة ذات حسب ونسب، وتولى مشيخة بني دهيس، إلا أن ما رسخ مكانته في نفوس الناس لم يكن الموروث وحده، بل ما أضافه إليه من عمل دؤوب، ورجاحة رأي، وحرص على خدمة مجتمعه. فالمكانة تورث، أما المحافظة عليها فلا تكون إلا بحسن السيرة، والصدق في التعامل، وكسب ثقة الناس.
شهادة من واقع المعايشة
خلال عملي مراسلاً لهذه الصحيفة في منطقة بني مالك بمحافظة ميسان، سنحت لي فرصة لقاء الشيخ أبي فيصل في عدد من المناسبات العامة، وشهدت حضوره في المجتمع المحلي. وكان من السهل أن يلحظ المرء أن ما يتناقله الناس عنه لم يكن مبالغة، بل صورة تعكس واقعاً عرفه كل من تعامل معه. فقد عُرف بحسن الاستقبال، وسعة الصدر، ولين الجانب، وإكرام الضيف، وهي خصال جعلت مجلسه مقصداً، ورسخت مكانته في محيطه الاجتماعي.
أدرك الراحل أن المشيخة لا تكتمل إلا بالقيام بحقوقها، فكان حاضراً في مساعي الإصلاح، وتقريب وجهات النظر، ورأب الصدع. استثمر ما حظي به من ثقة واحترام في خدمة المجتمع، وإطفاء أسباب الخلاف، وتعزيز روح التآلف بين الناس.
إسهامات خيرية وعلمية وتنموية
امتد عطاء الشيخ أحمد الدهيسي إلى ميادين الخير والتنمية المجتمعية؛ فدعم جائزة سنوية لحفظ القرآن الكريم، ورعى جائزة التفوق العلمي لتكريم المتفوقين من أبناء وبنات المنطقة، واستضاف لقاء التعارف السنوي لبني مالك. إلى جانب ذلك، قدم مبادرات خيرية وإنسانية واجتماعية عديدة ظل يقدمها بصمت، إيماناً منه بأن بناء الإنسان، وترسيخ القيم، وتعزيز أواصر التكافل، هي الركائز الحقيقية لاستقرار المجتمع.
لم يكن مجلسه مكاناً لاستقبال الضيوف فحسب، بل كان مجلساً يجمع الناس ويقرب بينهم، ويؤكد ما عُرف عنه من كرم وسماحة وحسن خلق. وهذه الصفات اكتسبت قيمتها لأنها كانت سلوكاً ثابتاً، لا مظهراً اجتماعياً عابراً.
إرث خالد ومسؤولية مستمرة
تؤكد سيرة الراحل أن الزعامة الاجتماعية ليست امتيازاً يورث، وإنما أمانة تؤدى. فالأسرة العريقة تمنح صاحبها مكانة، لكن العمل وحده هو الذي يحفظها ويجعلها مصدراً للنفع العام، وهو ما جسده الراحل طوال مسيرته.
من مظاهر الوفاء والتقدير له أن وثقت سيرته وإنجازاته في كتاب حمل عنوان “الشيخ أحمد بن معيض الدهيسي المالكي.. مسيرة وإنجاز”. وقد صدر هذا الكتاب في حياة الراحل، ليكون شاهداً على ما قدمه من أعمال ومبادرات، وحافظاً لذاكرة مرحلة زاخرة بالعطاء وخدمة المجتمع. ولعل هذا الكتاب جدير بأن يعاد نشره في طبعة جديدة، وأن يستكمل بما يستجد من شهادات ووثائق ومقالات كتبت عنه حتى بعد وفاته؛ ليظل مرجعاً يوثق سيرة رجل ترك أثراً خالداً في مجتمعه، ويعرف الأجيال القادمة بإسهاماته في الإصلاح وخدمة المجتمع.
لقد رحل الشيخ أحمد الدهيسي، وبقيت سيرته شاهداً على أن الأثر الصالح هو الباقي، وأن خدمة المجتمع والإصلاح بين الناس وحسن السيرة هي الإرث الذي لا ينقطع برحيل أصحابه. ولئن غاب بجسده، فإن ما تركه من سيرة طيبة وذكر حسن ورصيد من المحبة والاحترام يمثل إرثاً معنوياً كبيراً لا يقل قيمة عن أي إرث آخر. وهو إرث يحمل في طياته مسؤولية المحافظة على ما بناه عبر سنوات من العمل والإصلاح وخدمة المجتمع.
لا يساورني شك في أن أبناءه، وقد نشأوا في مدرسة والدهم، يدركون قيمة هذا الإرث، وأن فيهم – بإذن الله – من يواصل هذه المسيرة، ويحافظ على تلك السمعة الطيبة، ويضيف إليها من عمله وعطائه، وفاءً لنهج والدهم، واستمراراً لما غرسه في أسرته ومجتمعه.
رحم الله الشيخ أحمد بن معيض الدهيسي، وغفر له، وجزاه عن دينه ووطنه ومجتمعه خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان. (إنا لله وإنا إليه راجعون).



