الرئيسيةعربي و عالميحرب 2026 بين أمريكا وإيران: خمسة...
عربي و عالمي

حرب 2026 بين أمريكا وإيران: خمسة تحولات تعيد تشكيل مستقبل الشرق الأوسط

تندرج حرب إيران عام 2026 ضمن فئة النزاعات التي تجاوزت عدة عتبات لا يمكن التراجع عنها، وأرست سوابق ستؤثر على السلوك لسنوات، وكسرت العديد من الافتراضات التي كان النظام الإقليمي يعتمد عليها ضمنيا. ليست النتيجة واضحة، ووقف إطلاق النار الحالي هشٌّ لدرجة أن أي شخص يدّعي اليقين بشأن ما سيحدث لاحقا لا يولي الأمر الاهتمام الكافي. ومع ذلك، فقد أحدثت الحرب تحولات جوهرية في بنية المنطقة.

طهران تنجو لكن حسابات البقاء تتغير

لا يزال نظام طهران قائما، وهذا أمر بالغ الأهمية. فقد استوعبت إيران أكبر حملة عسكرية أمريكية إسرائيلية في تاريخ المنطقة الحديث، وفقدت مرشدها الأعلى، وتضررت منشآتها النووية وتدهور جيشها. ما تغيّر هو حسابات النظام بشأن بقائه. فالنظام الذي سينبثق من هذه الحرب سينظر إلى سجل الحرب بالكامل، ويستخلص العبر حول نوع الردع الفعال. ومن المتوقع أن يزداد النظام ارتيابا على الصعيد الداخلي، خاصة أن الحرب اندلعت عقب احتجاجات يناير 2026 التي قتلت فيها قوات الأمن ما لا يقل عن 30 ألف شخص. ونظام ضعيف بموارد عسكرية مستنزفة وشعب يعاني من الصدمة النفسية ليس مزيجا مستقرا.

تجميد مسار التطبيع العربي الإسرائيلي

قبل 28 فبراير، بدا منطق اتفاقيات أبراهام راسخا، حيث طبعت الإمارات والبحرين والمغرب علاقاتها مع إسرائيل. إلا أن الحرب على إيران حطمت فرضية استمرار التطبيع أمام أعين الجميع. وقد ازدادت حدة الرأي العام العربي، الذي كان يُظهر معارضة بنسبة 87% للتطبيع وفقا لمؤشر الرأي العام العربي قبل الحرب، بعد أن شهدوا إسرائيل تشن حملات قصف متواصلة على لبنان وغزة وإيران في آن واحد لأكثر من 70 يوما. ويرى العديد من المراقبين العرب أن الحرب ليست صراعا معزولا، بل هي أحدث فصول مشروع إسرائيلي أوسع للهيمنة العسكرية يشمل غزة والضفة الغربية ولبنان، والآن إيران، بدعم عسكري ودبلوماسي أمريكي.

شرخ في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية المتينة

لطالما كان الدعم الأمريكي لإسرائيل الركيزة الثابتة في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط منذ عام 1948. وقد صمد هذا الدعم أمام التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، والعمليات العسكرية في غزة التي أثارت إدانات دولية، والخلافات السياسية. وأضافت حرب إيران عام 2026 متغيرا جديدا: الاعتقاد المتزايد لدى شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي بأن إسرائيل جرّت الولايات المتحدة إلى حرب لم تكن ترغب بها ولا تستطيع إنهاءها بسهولة. أكثر من 60% من الأمريكيين لا يوافقون على الحرب مع إيران، وتراجعت شعبية الرئيس ترمب إلى مستويات قياسية منخفضة، جزئيا بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة الناجم عن إغلاق مضيق هرمز. وقد منحت هذه الشعبية المتدنية زخما سياسيا لمواقف كانت حكرا على الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، كربط المساعدات العسكرية بسلوك إسرائيلي محدد، والمطالبة بالمساءلة عن الخسائر في صفوف المدنيين في لبنان وإيران، وإخضاع القيمة الإستراتيجية للعلاقة الثنائية لنوع من التدقيق القائم على تحليل التكلفة والعائد.

بروز الصين كقوة دبلوماسية لا غنى عنها

لم تطلق بكين رصاصة واحدة، ولم تستثمر رأسمالها الدبلوماسي بشكل علني، ولم تضطلع بأي دور وساطة رسمي. لكنها وضعت نفسها، بصبر ومهارة، كطرفٍ احتاجته كل من واشنطن وطهران أكثر مما أرادتا الاعتراف به، ثم حصدت الفضل الدبلوماسي عندما تحقق وقف إطلاق النار. ساعدت الصين في دفع إيران إلى طاولة المفاوضات مع إسلام آباد، وفقا لتصريحات ترمب العلنية. ورسّخت اتفاقية بكين وجهود استئناف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين السعودية وإيران في عام 2023، مكانة الصين كفاعل دبلوماسي مؤثر. أما حرب 2026 فقد رسّخت مكانتها كفاعل لا غنى عنه، إذ تجاوزت بكين حد القدرة على لعب دور إلى مرحلة تغيّر فيها النتيجة في حال عدم تدخلها، دون أن تلتزم بأي التزامات عسكرية أو تتحمل أي تكاليف أو تداعيات سياسية داخلية.

إعادة تقييم الخيارات النووية إقليميا

تعرضت إيران للقصف مرتين خلال مفاوضات نووية جارية، مما جعل هذا التسلسل من الأحداث جزءا لا يتجزأ من السجل الإستراتيجي. وقد قامت كل حكومة كانت تحسب خياراتها النووية بهدوء بتحديث جداول بياناتها وفقا لذلك. استُنزفت ذخائر الولايات المتحدة في المحيط الهادئ لدعم الحملة الإيرانية، وسُحبت مكونات منظومة ثاد من كوريا الجنوبية، وتعرّض حلفاء الولايات المتحدة في آسيا لانتقادات علنية لرفضهم الانضمام إلى التحالف. لم تكن الرسالة التي وصلت إلى سيول وطوكيو وأنقرة هي الرسالة التي أرادت واشنطن إيصالها، وستؤثر الاستنتاجات التي تُستخلص في تلك العواصم حول موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية على قرارات السياسة النووية خلال العقد القادم.