مدرسة رشادية في إسطنبول: تاريخ تعليمي ودور في حرب الاستقلال

التأسيس والبدايات المبكرة
في قلب حي “أيوب سلطان” التاريخي بإسطنبول، يقف مبنى مدرسة “رشادية” شاهدًا على أكثر من 115 سنة من التعليم والتحولات. تعود فكرة إنشائها إلى عام 1910 عندما استدعى السلطان العثماني محمد الخامس (رشاد) المهندس كمال الدين بك، أحد أبرز المعماريين آنذاك، لبناء مدرسة تليق بمكانة المنطقة. اختار الموقع قرب رصيف أيوب، حيث كانت توجد سابقًا “مدرسة أيوب سلطان رشدية” التي افتُتحت في عهد عبد الحميد الثاني. بدأت المدرسة الجديدة استقبال طلابها في العام الدراسي 1911-1912 تحت اسم “مدرسة رشادية النموذجية”.
بعد افتتاحها، تجاوزت دورها التدريس لتشمل أنشطة كانت لا تزال في مراحلها الأولى. ففي عام 1912 انطلقت الأنشطة الكشفية في مدرستي غالاطة سراي ورشادية النموذجية عقب صدور أول لائحة لتنظيم فرق الكشافة تحت اسم “النظام الداخلي لفرق الكشافة” وبإشراف خبراء استُقدموا من أوروبا. وفي المجال الرياضي، شجعت إدارة المدرسة الطلاب على ممارسة الأنشطة البدنية ضمن الجهود العثمانية لتطوير الرياضة المدرسية. خلال العامين الدراسيين 1915-1916 اختار مكي بك، أحد أوائل مديري المدرسة، مجموعة من الطلاب الموهوبين لتشكيل فريق كرة القدم سمي “مدرسة أيوب رشادية” وخاضوا مباريات بين المدارس. بعد عدم تحقيق النتائج المرجوة في مباريات منطقة كاغت هانة، بدأ سليم سري طارجان، المعروف بأنه أول معلم للتربية الرياضية في الدولة العثمانية، إلى جانب أحمد حمدي بك الكاتب الرياضي ومدرب كرة القدم، تقديم الدروس في المدرسة.
دور المدرسة خلال حرب الاستقلال
من أبرز المحطات في تاريخ مدرسة رشادية دورها خلال سنوات احتلال إسطنبول، حيث أصبحت بالتعاون مع مؤسسة أيوب الرياضية إحدى النقاط التي ساهمت في الأنشطة السرية الداعمة لحرب الاستقلال التركية. وفقًا للمعلومات التاريخية المتعلقة بالمدرسة، استُخدم المبنى المطل على القرن الذهبي في مساعدة إخراج الأسلحة والذخائر التي تحتاجها قوات المقاومة الوطنية من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الاحتلال، قبل نقلها إلى منطقة الأناضول. وبذلك تجاوزت المدرسة رسالتها التعليمية لتصبح جزءًا من شبكة النقل السري التي ربطت إسطنبول بالأناضول خلال تلك المرحلة، وأسهمت في دعم جهود حرب الاستقلال.
التحولات الاسمية والمراحل التعليمية
وشهدت المدرسة تحولات متعددة في اسمها وطبيعة التعليم على مدى أكثر من قرن مع احتفاظها بدورها مؤسسة تعليمية. بعد افتتاحها باسم “مدرسة رشادية النموذجية” في 1911، تحولت في 1927 إلى “مدرسة أيوب المختلطة المتوسطة”، ثم حملت في العام الدراسي 1931-1932 اسم “مدرسة أيوب المتوسطة”. وفي 1956-1957 أُضيفت إليها الصفوف الثانوية. وتغير اسمها إلى “مدرسة أبو السعود المتوسطة” في 1972-1973، قبل أن تتحول إلى “مدرسة أبو السعود الإعدادية للأئمة والخطباء” في 2012-2013، وهو نمط من المدارس التي تجمع التعليم العام بالديني. وبعد ترميم المبنى في 2019 استُعيد الاسم المرتبط بجذوره التاريخية، فأصبحت المدرسة تُعرف باسم “رشادية الإعدادية للأئمة والخطباء”، وهو الاسم الذي لا تزال تحمله اليوم.
البرامج الحالية ومدير المدرسة
وتواصل المدرسة عملها حاليًا ضمن مشروع يجمع التعليم النظامي بتحفيظ القرآن الكريم، إلى جانب برنامج مكثف لتعليم اللغات الأجنبية أُطلق في العام الدراسي 2021-2022. وفي حديث للأناضول، يقول مدير المدرسة مظفر إكه: “هذا الصرح استقبل طلابه الأوائل بالعام 1911، وكان يعرف آنذاك باسم “مدرسة رشادية النموذجية”.” ويوضح أن المدرسة انتقلت عبر مراحل مختلفة بين التعليم المتوسط والثانوي، ثم التعليم الأساسي، قبل أن تتحول إلى مدرسة إعدادية للأئمة والخطباء. ويضيف أن ترميمها بالعام 2019 تزامن مع اعتماد اسمها الحالي، وأنها تطبق اليوم مشروعين تعليميين إلى جانب المنهاج النظامي. وتضم المدرسة 14 معلمًا، مع شعبتين دراسيتين في كل صف، وتُخصص إحداهما لمشروع تحفيظ القرآن بالتوازي مع الدراسة الإعدادية، فيما يُطبق برنامج اللغات الأجنبية المكثف في الشعبة الأخرى. ويشير إكه إلى أن الطلاب المشاركين في برنامج التحفيظ يتلقون دروسهم في القرآن الكريم حتى الظهر، ثم ينتقلون إلى الدراسة الأكاديمية بعد الساعة 12. أما طلاب برنامج اللغات الأجنبية فتبدأ دروسهم عند التاسعة صباحا وتنتهي عند الثالثة والنصف بعد الظهر وفق الجدول المعتاد. ويصف المدير عمله في المدرسة التاريخية بأنه “نعمة”، ويقول إن “أيوب سلطان” إلى جانب “الفاتح” و”أوسكودار” من المناطق التي تحضر في الأذهان عند الحديث عن إسطنبول، مشيرًا إلى مكانتها الروحية. ويتابع: “العمل في مدرسة كهذه، بجوار مسجد أيوب سلطان مباشرة، وفي ظل إطلالة القرن الذهبي، بالنسبة لي شرفا وفرحا، بل مصدرًا للطمأنينة أيضا. نشعر بأننا محظوظون ومرتاحون للعمل هنا”. ويوضح إكه أن الالتحاق بالمدرسة يتم عبر امتحان يُنظم خلال مايو/ أيار ويونيو/ حزيران، موجها دعوة إلى الطلاب وأولياء أمورهم لزيارة المبنى والتعرف إلى أجوائه وبرامجه قبل اتخاذ قرار الالتحاق بالمدرسة. ويضيف أن المدرسة توفر أيضا أنشطة اجتماعية وثقافية ورياضية متنوعة، تشمل القراءة ومشروعات للتعرف إلى الحضارة والتراث، من بينها “جذور راسخة في إسطنبول” و”جذوري في السماء”، فضلا عن الرماية والشطرنج.










