احتجاجات واسعة في خمس دول أوروبية تطالب بالأجور والتعليم والسكن

تتقاطع مطالب رفع الأجور وتحسين التعليم وتوفير السكن مع الخلافات حول أولويات الإنفاق الحكومي وسياسات الموازنات، لتدفع فئات اجتماعية متنوعة إلى الاحتجاج في كل من فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا. وتتباين شرارة هذه التحركات وأهدافها بين الدول الخمس، لكن الملفات المالية وإدارة الاستثمار تبرز كعوامل مشتركة تغذي الغضب الشعبي.
احتجاجات فرنسا والبرتغال: الأجور والموازنة في المقدمة
في فرنسا، قدّر الاتحاد العام للعمل (سي جي تي) عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 800 ألف شخص، حيث التقى طلاب ومحتجون معيشيون بالاعتراض على مشروع موازنة العام 2027. وكانت الدعوة قد انطلقت من مواطنين معترضين على أسعار الوقود في 15 أكتوبر، بحسب بيان حزب “فرنسا الأبية”، قبل أن تنضم إليها اتحادات نقابية ومنظمات طلابية. وتركزت احتجاجات الطلاب على نقص العاملين واكتظاظ الفصول الدراسية ومشكلات المؤسسات التعليمية.
وبعد المظاهرات، دعا الاتحاد إلى زيادة الأجور والمعاشات والمساعدات الاجتماعية، والاستجابة لمطالب الشباب، ورفض إجراءات مالية يعتبرها ضاغطة على الخدمات العامة. في المقابل، تتضمن موازنة العام المقبل إجراءات ضبط مالي بقيمة 54 مليار يورو لخفض العجز إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق وزارة الاقتصاد والمالية. وتدافع الحكومة عن المشروع باعتباره يحافظ على الإنفاق ذي الأولوية في ظل ارتفاع أعباء الدين، بينما يطالب الاتحاد بمساهمة أكبر من أصحاب الثروات والشركات.
وشهدت باريس أعمال نهب وتخريب، لكن بلدية المدينة أكدت مساء السبت أن هذه الأفعال “يجب ألا تُخلط بأي حال بتعبئة الغالبية العظمى من المتظاهرين” الذين خرجوا سلمياً. ووصف رئيس البلدية إيمانويل غريغوار العنف بأنه يصرف الانتباه عن مطالب الشباب، معلناً تعبئة خدمات البلدية لإصلاح الأضرار.
في البرتغال، كشفت الأرقام عن فجوة بين العرض الحكومي والمطلب النقابي. فقد أعلنت الحكومة في 8 أكتوبر عند تقديم مشروع موازنة 2027 رفع الحد الأدنى الوطني للأجور إلى 970 يورو العام المقبل، مقابل مطالبة الاتحاد العام للعمال برفعه إلى 1100 يورو. وتشمل المطالب النقابية أيضاً زيادة عامة للأجور بنسبة 15 بالمئة وبما لا يقل عن 150 يورو. وترجمت هذه المطالب إلى مظاهرات شارك فيها آلاف العمال في لشبونة وبورتو وكويمبرا السبت.
وخلال مظاهرة لشبونة، تساءل الأمين العام للاتحاد تياغو أوليفيرا عن كيفية العيش براتب ألف يورو مع إيجار يبلغ 800 أو 900 يورو، بالإضافة إلى تكاليف الوقود والسلع الأساسية. وارتفعت أسعار شراء المساكن في البرتغال بنسبة 16.5 بالمئة سنوياً خلال الربع الثاني من 2026، مقابل متوسط أوروبي بلغ 4.7 بالمئة، وفق يوروستات.
بلجيكا وإيطاليا وألبانيا: تحذيرات من إجراءات تقشفية ومواجهات أمنية
في بلجيكا، تركزت التعبئة النقابية حول حماية القدرة الشرائية، إذ حذر الاتحاد العام للعمل (إف جي تي بي) من تحميل العاملين والمتقاعدين أعباء إضافية لسد عجز الموازنة. وشهدت بروكسل في 9 أكتوبر مظاهرة شارك فيها نحو 30 ألف شخص بدعوة من تحالف النقابات العمالية وأحزاب سياسية. وحدد الاتحاد اعتراضاته في المساس بآلية ربط الأجور بالأسعار، واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة، وتقليص الخدمات الصحية وتغيير تنظيم وقت العمل. ويطرح الاتحاد بديلاً يشمل مساهمة أكبر من الثروات الكبيرة وعائدات رأس المال، مع التلويح بإضراب عام إذا تجاوزت الحكومة ما وصفها بـ”الخطوط الحمراء”.
في إيطاليا، جمعت دعوة تحالف “الطريق الرئيسي” (الذي يضم نقابة سي جي آي إل وأكثر من مئة جمعية) إلى مسيرة في روما يوم 17 أكتوبر بين المطالب الاجتماعية ورفض تحويل الاقتصاد إلى “اقتصاد حرب”. وضمت قائمة المطالب زيادة الأجور ومواجهة عدم استقرار العمل والدفاع عن الخدمات العامة ونظام ضريبي تصاعدي. وشهدت عدة مدن إيطالية السبت مسيرات واسعة احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الرعاية الصحية العامة. وانتقد رئيس إقليم ليغوريا ماركو بوتشي عرض دمى وصور لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير التعليم جوزيبي فالديتارا مقلوبة خلال احتجاج في جنوة، معتبراً ذلك تجاوزاً للحدود رغم تأكيده حق التظاهر.
في ألبانيا، شهدت العاصمة تيرانا السبت يوماً خامساً من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، مع مطالبة المحتجين باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما. ويمتد جانب من خلفية التصعيد إلى الخلاف حول مشروعات سياحية في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيتس الساحلية، وما يحيط بها من نزاعات حول الملكية والبيئة والشفافية. ونفى راما في 15 يونيو الماضي أن تكون الجزيرة معروضة للبيع، موضحاً أن الصيغة المقترحة تقوم على مشاركة الدولة في الاستثمار مع احتفاظها بالملكية. وأقر بوجود مطالبات متنازعة على أراضٍ معروضة على القضاء، ثم أعلن في 3 أكتوبر إطلاق منصة لنشر وثائق الملف. وأدانت وزارة الداخلية الاعتداءات على عناصر الشرطة والممتلكات، مؤكدة أن حق الاحتجاج السلمي لا يبرر العنف. في المقابل، دفع فيديو لشاب مصاب إلى فتح تحقيق في تعامل الشرطة معه قرب البرلمان، إذ يظهر المقطع شاباً (19 عاماً) مصاباً في ساقه أثناء اقتياده، وقد أوقف أربعة عناصر ومسؤول للنظام العام عن العمل مع بدء تحقيق تأديبي وتحقيق بالتعاون مع النيابة.
خبراء: الأزمات المتراكمة والاستجابة الحكومية تحددان مسار الاحتجاجات
يرى الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر، في حديث للأناضول من فيينا، أن الأزمات المتراكمة في السكن والتعليم والبنى التحتية وجودة الرعاية الصحية، إلى جانب اختلال أولويات الإنفاق مع صعود الإنفاق العسكري والدفاعي، تفسر انتقال الاحتجاجات من مطالب فئوية إلى تحركات أوسع. ويشير إلى أن خروج فئة للاعتراض على قضية محددة قد يحرك فئات أخرى، كما حدث مع تحركات تلاميذ الثانويات في فرنسا. ويؤكد أن تعدد الملفات المطلبية يتيح تحولها إلى حركة تظاهر عام، وأن السكن يشكل “معضلة حقيقية” في بعض الدول، مع احتمال أن تشكل تكاليف الطاقة محفزاً إضافياً.
ويرى شاكر أن المشهد الفرنسي يمثل امتداداً لموجات غضب سابقة كحركة “السترات الصفراء” التي لم تُعالج جذورها، فيما تحد صعوبات الموازنة والخيارات التقشفية من قدرة الحكومة على احتوائها. وتتيح منصات التواصل، بحسب شاكر، تنسيقاً أسرع للمجموعات الشبابية حتى دون أطر نقابية، لكن طغيان مشاهد الصدام دون سياقات يكفي يؤدي إلى “تشكيل صور مجتزأة عن الواقع”. ويحدد استجابة الحكومات، من سلوك الشرطة إلى لغة المسؤولين ومدى الاستعداد للحوار، كعامل حاسم في المسار المقبل، مع الاعتراف بأن غياب ممثلين حقيقيين للجماهير يعقد التفاوض.
من جهتها، تنطلق أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة شهد الحموري من واجبات الدولة تجاه السكان، معتبرة أن معالجة الاحتجاجات تتطلب النظر إلى أسبابها الاقتصادية إلى جانب إدارة الشارع. وتقول للأناضول إن “على الدولة واجب حماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين من خلال ضمان الحياة الكريمة والحق في التعليم”، مشيرة إلى أن تفاوت الحصول على الخدمات، خصوصاً لدى الأسر الأقل دخلاً وذوي الخلفيات المهاجرة، يعكس تقصيراً في الوفاء بهذه الواجبات. وتضع حق التعبير عن الرأي ومحاسبة السلطات ضمن الحقوق السياسية التي تتيح الاعتراض عندما لا تفي الدولة بالتزاماتها، وتربط اتساع التحرك الشبابي ببنية اقتصادية تهمش الطبقات العاملة.
وتشدد الحموري على ضرورة اللجوء إلى وسائل سلمية كالتفاوض مع ممثلي المتظاهرين، معتبرة أن قمع التعبير عن المطالب يضيف مساساً بالحقوق السياسية إلى التقصير الاقتصادي. وترى أن عنف الشرطة يتجه عادة نحو الفئات ذات الخلفيات المهاجرة وأبناء الطبقات الفقيرة، وتؤكد أهمية “الوصول إلى حلول سلمية لا عنيفة مع المتظاهرين” بالتوازي مع معالجة المطالب الاقتصادية.
وتتجه نقابات إلى مواعيد جديدة للتعبئة؛ ففي فرنسا دعا سي جي تي إلى إضراب ومظاهرات في 5 نوفمبر المقبل، وفي البرتغال حدد الاتحاد العام للعمال تجمعاً أمام البرلمان في 24 من الشهر نفسه بالتزامن مع التصويت النهائي على الموازنة، وفي بلجيكا أبقى الاتحاد العام للعمل احتمال الإضراب العام في 23 نوفمبر مرتبطاً بخيارات الحكومة واستجابتها.










