الرئيسيةعربي و عالميمخاطر المظلومية التاريخية على تقدم المجتمعات
عربي و عالمي

مخاطر المظلومية التاريخية على تقدم المجتمعات

طبيعة المظلومية وتحولها إلى ذاكرة جمعية

تبدأ الإشكالية عندما يتحول ألم الأجداد إلى ما يُسمى «مظلومية»، بحيث يعجز الوعي عن situating هذا الألم في سياقه التاريخي الصحيح، وكأنه يجمد هذا الجانب البشري في لحظة قديمة لا يغادرها، ولا يستطيع قراءة الواقع الحالي إلا من خلال تلك العدسة.

بعد ذلك تتحول المظلومية إلى ذاكرة جماعية تُروى في الحكايات والخطوط والطقوس، وتنتقل إلى أجيال لم تعايش الواقعة الأولى. يولد الفرد بعد قرون من الحدث لكنه يتقبله وكأنه جزء من تجربته الخاصة، فيَرث التاريخ وما يحمله من مشاعر: الخوف، الغضب، والشعور بحق ضائع لم يُسترد، بالإضافة إلى ديون تاريخية لم تُسدد.

يُظهر تأمل التاريخ البشري أن جانبا كبيرا منه ينصب على الصراع من أجل الأرض والسلطة والثروات والموارد، بحيث يكاد لا توجد أمة تخلو ذاكرتها من حرب أو احتلال أو اضطهاد أو خسارة. بل ترى عدد من التيارات الفكرية أن هذا الصراع هو المحرك الأساسي للتاريخ.

ومع ذلك فإن هذا التاريخ ذاته يحتوي أيضا على جوانب من التبادل والتحالف والتعاون؛ فجزء كبير من ما نعرفه اليوم من قوانين ومؤسسات ودول وتبادل تجاري وتنوع ثقافي هو نتاج قدرة البشر على إدارة الصراع وتقييده وتحويله إلى علاقات ومصالح وقواعد مشتركة.

آثار المظلومية على الفعل الاجتماعي

تؤثر المظلومية على الإدراك بحيث يعيد العقل تشكيل نفسه للبحث عن ما يتوافق مع السرد الموروث، فيُضخم الوقائع التي تتماشى مع صورته عن ذاته، ويعاني من تقبل ما يناقضها. يصبح التاريخ شاهد إثبات دائم، بينما يُنظر إلى الواقع على أنه merely قرائن جديدة تُلحق بالقضية القديمة.

ويظهر أثر هذا النموذج في طريقة تعريف المجتمع لنفسه ومدى قدرته على الفعل؛ فلم يعد السؤال: ما الذي يمكننا إنجازه اليوم؟ بل كيف نتعامل مع ما جرى في الماضي؟ ومع تكرار هذا التساؤل يترسخ الجمود وتضعف الفعالية، ويصبح الطرف الآخر تفسيرا جاهزا للإخفاق.

ومن أخطر نتائج المظلومية أنها تعفي الذات من عبء المراجعة؛ فإذا كان الخارج هو المسؤول الدائم عن التعثر فلا داعي لفحص القرارات الداخلية والمؤسسات والقيادات والثقافة. بل قد يُنظر إلى النقد الذاتي على أنه مريب، وتتحول مراجعة المسلمات إلى تهديد لوحدة الجماعة، وبالتالي تنتهي المظلومية إلى shielding أسباب التراجع من المحاسبة.

كيف تستغل النخب المظلومية لتعزيز شرعيتها

وللمظلومية أحيانًا مكاسب خفية قد تفسر صعوبة التخلي عنها؛ فالضحية تحظى بموقع أخلاقي مرتفع وتستقطب التعاطف وتمتلك مبررا مفهوما للغضب. ومع مرور الوقت قد يتولد إحساس بأن الألم القديم يمنح صاحبها امتيازا خاصا في الحاضر، فتتحول المظلومية التاريخية إلى رأسمال نفسي ورمزي، وقد تُستعمل لتبرير سلوك عدائي تجاه «الآخر» الذي يُصنف سلفا في خانة الخصم.

ثم تدخل النخب على هذا المشهد؛ فبدلا من أن تستمد شرعيتها من إنجازات في الاقتصاد والأمن وبناء المؤسسات وتحسين معيشة الناس، يمكنها أن تستمدها من إظهار نفسها كحارس يتوافق مع المخاوف التي رسختها المظلومية في وعي الشعب. يصبح استمرار ощущение الخطر أكثر نفعا من زواله، ويصبح استحضار الجروح أكثر قدرة على التعبئة من أي برنامج انتخابي حقيقي.

التوازن بين الذاكرة والتقدم نحو مستقبل أفضل

وبهذا لا تبقى المظلومية مجرد مشكلة نفسية، بل تتحول إلى كارثة اجتماعية وتنموية؛ إذ أن المجتمع الذي يظل طويلا غارقا في استعادة جراح الماضي يفقد القدرة على إدارة شؤون الحاضر.

الذاكرة شرط أخلاقي، والتقدم لا يتحقق بنسيان الماضي بل باعتباره جزءا من تطور التفكير والعمل المجتمعي.

كمثال نראה الشعوب الأوروبية التي خاضت حربين عالميتين، فقد تجاوزت آلامها وأقامت علاقات سياسية وشراكات اقتصادية عادت عليها بالخير والسلام.

والدول الناضجة هي القادرة على النهوض من تحت ركام التاريخ والتصالح مع الماضي، والعمل في الحاضر لضمان المستقبل.