محمد المعزوز يطرح قراءة نقدية للأنثروبولوجيا العربية ويقدم ثلاث قواعد لتحليلها

تبدل النهج شكلاً مع حركة النهضة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، غير أنه لم يتفوق سوى في المجال اللغوي، إذ ظل الإبداع الفكري الأوسع محصوراً، فبقيت الأمة بشكل أو بآخر أسيرة مدار النقل.
بعد الحرب العالمية الأولى هبت بعض رياح التغيير، ووعدت بتحديث الثقافة العربية وإدخالها من خلال التلاقح المدرسي والجامعي الممتد، إلا أن هذا العقد الواعد، على مدى قرن كامل، لم يحدث العودة المطلوبة إلى الإبداع الفكري في جميع المجالات، بل اقتصر جوهره على زمن نقلي جديد، غربي الهوى، حاول استنساخ الإبداع الغربي الضخم الذي تحقق.
وبيد أن الجيل الذي نقل مخزون الحداثة، والذي تلاه ثم تلاه، بقوا جميعاً عند حافة النقل والمحاكاة البعيدة، دون الجرأة على التعامل إبداعياً مع الإبداع الوافد، كما حصل في اليابان وسنغافورة والصين بعد الحرب العالمية الثانية. فالتوقف الفكري العربي بقي في مجمله متمسكاً بمخدّات التراث ودواوين النقل الخاصة به، مُديراً ظهره للشخصية الحضارية الأولى وكذلك للشخصية الحضارية الثانية التي ارتدى لباسها دون أن يرغب بمحركاتها الذهنية البنيوية.
لذلك ترى الجامعات العربية اليوم، الحكومية والخاصة على حد سواء، كخيالات ظل أو ثانويات ليلية، لا تتحرّك طواقمها التعليمية إبداعياً ولا تضع طلابها على سكة الإبداع العلمي والفكري الحديث، بل تبقيهم عند حدود التحصيل الوظيفي للشهادة كمدخل لدخول سوق عمل ريعية تعيد إنتاج البنى المعرفية نفسها؛ وهذه الحال تسود أيضاً في معظم مراكز البحث القائمة حالياً في العالم العربي دون حاجة إلى تسميتها.
من هنا يجوز لنا أن نفرح أي فرح عندما يصدر عمل فكري يسلك نهجاً نوعياً مختلفاً في أي مجال من مجالات الثقافة بالمعنى الواسع، حيث اكتفينا من كتب الشرح والتفسير وأعمالها، بينما تتطلع الأجيال العربية الصاعدة للدخول في عصر الحداثة كجزء أصيل منه، كما حصل مع ابن رشد وابن سينا والخوارزمي وابن خلدون وابن البيطار وسواهم الذين أسهموا في تقدم الفكر والإبداع البشريين قديماً.
سياق النقد الأنثروبولوجي
لم يكتشف محمد المعزوز البارود، ولا اخترع الأنثروبولوجيا، لكنه بعد استيعاب جميع مبادئ العلم الثاني ووظائفه وخبرته ميدانياً حدوده، أدرك أن عليه مهمة تتجاوز النقل نحو الإبداع. فاليوم، بعد قرن كامل من تعرف أهل الثقافة العربية على الأنثروبولوجيا، قدم مسائلة عملية لهذا العلم الوافد، بتواضع، تحت عنوان سؤال التوطين.
وهو في الواقع يصيب أكثر من هدف برمية واحدة. فلا يمس صدقية العلم، لكنه يتوقف، بمسؤولية عالم عربي يقر بوجود النظرية الأنثروبولوجية وإضافة العلم التي تقدمها، عند صوابية المقاربة المعتمدة ميدانياً عندنا.
في الحقيقة لم تقدم الأنثروبولوجيا المعربة الكثير للمعرفة العربية على الرغم من كثرة العاملين باسمها. فهؤلاء في سوادهم الأعظم اكتفوا بنقل ما وصل إليهم على متن بواخر الكارغو المحملة بالأكاديمية الغربية، بانبهار أول الأمر ثم بعد ذلك بتحفظ وتشكيك نظراً للطابع الاستعماري للأنثروبولوجيا الثقافية البريطانية ثم الغربية عموماً، لكنهم على الرغم من ذلك استمروا بتسويقها كما هي في المعاهد والأكاديميات كجزء من الديكور العام المرافق لشهادة العلوم الإنسانية والاجتماعية.
استمر هذا التواطؤ النظري طويلاً وبقي محصوراً، وفق تصوّر وتصميم سابق، بين أسوار المؤسسات الجامعية العربية التي لم يتجرأ أهلها على تقديم مسائلة إنسانية عميقة لبنى المجتمعات المحلية تتجاوز ثنائية الحضر والبدو، بحيث ظهر مثلاً بعد فيلم «الأرض» ليوسف شاهين أن لغة السينما كانت أبلغ أنثروبولوجياً من خطاب الأنثروبولوجيين الجامعيين العرب في التعرف إلى المعنى الأبعد لحياة الشعوب العربية.
في النهاية لا يصح نقل العلوم إن بقي برّانياً، حيث لا فائدة منه في هذه الحال، سواء نظرياً أم عملياً. فعلى المستوى النظري بقيت الأنثروبولوجيا المعربة خارج رسالتها المعرفية الإنسانية المطلوبة، وكذا كان الحال بالنسبة لعلم الاجتماع المنقول إلى المشهد الثقافي العربي منذ العام 1924 دون فائدة تُذكر، يدير ظهره لجواهر علم العمران البشري الخلدوني فقط لأنه ينتمي إلى ثق ما قبل عصر أوغست كونت التي تبدأ بها إلزاماً في الغرب العلوم الإنسانية الحديثة، كما أشار إدوارد سعيد. ونلاحظ الأمر نفسه في العلوم التربوية المنقولة إلى علم الضاد في المؤسسات الجامعية العربية، حيث بقيت تراوح مكانها حتى اليوم؛ أي أن العقم العلمي يطول ويتسع ليصبح منهجاً فكرياً جامعياً يسعى إلى السكون والتبعية، وهكذا إلى ما لا نهاية. ومن هذا الدراك غير المدرك وغير المعترف به محلياً جاءت انتفاضة التساؤل الكبير الذي يطرحه محمد المعزوز في كتابه المذكور.
القواعد المقترحة
علومنا الإنسانية كلها بحاجة إلى إعادة تفكيك ثم إعادة تركيب على المستوى البنوي كي تصبح بعد اليوم بمستوى الأجيال الطالعة التي تستحق أكثر بكثير من وجبات الأطعمة الثقافية المعلبة وأفيَد من الأغذية الفكرية المجففة التي اعتادوا تناولها عقداً بعد عقد على مقاعد المعاهد والجامعات القائمة والمتكاثرة يوماً عن يوم.
ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل ما يحمل اسم العلم هو علم بالضرورة. وبإمكاننا أن نضيف هنا أن العلم الإنساني بدوره نسبي مهما بلغ أمره من الأهمية. ومن هنا، وفي ضوء خبرته الطويلة في النظرية كما في الحقل الميداني، خلص صاحب الكتاب إلى قواعد ثلاث من الضروري الانطلاق منها في البحث الأنثروبولوجي العربي القلب والقالب، هي:
الكثافة التحليلية: أي ببساطة عدم الاكتفاء باعتبار أن للظاهرة الأنثروبولوجية العربية المدروسة بعداً واحداً يقف عنده التحليل، وإلا غرق الباحث في السطحية. أو لم يكن في هذا المجال ابن خلدون أول من أشار إلى ترابط البداوة بالحضر وبالعكس؟ فكلاهما متفاعل في الوجدان والوعي، وتجمع بينهما العصبية على هذا المقلب من الحياة كما على الآخر.
لذلك فإن الكشف عن الطبقات العميقة لوعي المسألة الاجتماعية والدينية والسياسية شرط تأسيسي للاستعداد التحليلي العلمي الصحيح. فالبُعد الواحد للتفسير، على غرار ما كان يقوم به مالينوفسكي، لا يفي بالغرض الأنثروبولوجي المطلوب، حيث إنه لا يدخل إلى بطون الدوافع الكامنة وغالباً المكتومة التي تقف عادة في الفضاءات الثقافية العربية المتنوعة خلف طرائق التنفيذ. ذلك أن منبع هذه الأخيرة يقوم على طرائق التفكير والتخطيط التي لا يوليها البحث الأنثروبولوجي الغربي التقليدي الاعتبار الكافي والوافي.
من هنا تتسم الغالبية العظمى من الأبحاث والدراسات المنشورة في الدوريات الأكاديمية العربية بهذه السطحية التي «لا تَنفع ولا تضرّ»، على حد ما يقول المثل الشعبي اللبناني، والتي توهم بالحركة والتقدم والتحليل، فيما هي لا تفضي إلى معرفة السياقات التي تحكمها كما يشير إليه الكاتب.
المقارنة الأفقية: أي بكلمة القاعدة التي تحفظ حق الوحدة من ضمن التنوع. فهذا شأن إشكالي إلى حد ما في الأنثروبولوجيا، إذ يتراءى للكثيرين في هذا الحقل المعرفي أن الوحدة والتطابق إلزاميان عندما يكون المقصود مجال ثقافي واحد، كالمجال العربي مثلاً.
وهنا يسارع محمد المعزوز إلى إزالة هذا التشويش النظري بالإشارة إلى أن في الحقل الأنثروبولوجي العربي الواحد اليوم شكلاً ثابتاً من العلاقة بين أفراد الجماعات الأهلية كلها يتمثل باللحمة الاجتماعية، حيث إن الكل يساعد الكل ضمن هذه الدائرة بتعبيرات تعاضدية موحدة وملموسة على امتداد ما نسميها تارة العالم العربي وطوراً الوطن العربي، مع تفضيل حملة الثقافة الدينية تسمية الأمة العربية لدلالة ارتباط بعينه في سياق استخدامها.
إلا أن الجميع يتشاطر نزوعاً معرفياً واحداً على امتداد البلدان والشعوب والأديان والمذاهب، حيث تأتي الرابطة العائلية ثابتة وموحدة مهما اختلف المكان. في المقابل، يشير الباحث إلى أن شأناً آخر، من طبيعة سوسيو‑ثقافية، بدأ يشق طريقه إلى الحياة اليومية والعملية في دنيانا العربية المعاصرة، وهو حركات الاحتجاج على العطالة أو على الفساد المستشري في بعض القطاعات العامة، والذي يؤدي بالناس إلى الخروج إلى الشارع والتظاهر العلني والصاخب في الساحات العامة.
وعلى الرغم من أن هذا الشكل من الحراك الاجتماعي لا يشمل جميع البلدان العربية، متفاعلاً مع نسيج كل واحد من المجتمعات المعنية به على نحو يتطابق مع معطيات الحضور الديمقراطي في وعيه الراهن، فهذا يعني أنه ليس ظاهرة عربية أصيلة. صحيح أن أسلوب ومكان الحراك مستجد، لكن ذلك لا يجعله دخيلاً على المستوى المعرفي؛ بل إنه يشير إلى أن سرعة التلاقح ببعض الأفكار والممارسات الوافدة من الغرب غدا جزءاً من الوعي العربي المحلي في حالات عدة تبدأ من بلدان المغرب العربي وتنتهي في لبنان بعد مرورها بمصر، الأمر الذي يعني أن هذا التباين الأفقي يندرج تحت عنوان التنوع الذي لطالما لازم ثقافة الشعوب كما أشار إليه الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي‑شتروس في كتابه «التنوع الثقافي» الذي صدر غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية.
فالمسار الأفقي للمجتمعات العربية راهناً يتكامل نظرياً وعملياً مع المسار التقليدي العتيد، من دون أن يقف عائقاً أمام قاعدة البحث الأنثروبولوجية التأسيسية، الإنسانية بامتياز. وهذا يذكرنا بالعنوان الذي وضعه في سبعينيات القرن الماضي الشاعر أدونيس لأطروحته، مؤسساً الأمر كله على كلمتي «الثابت» و«المتحول».
التركيب المفهومي المشروط: هو تركيب تحليلي مشروط بالتحرر من أحكام نظرية مسبقة، كتلك الناتجة عن الإرث الأنثروبولوجي الكولونيالي القائم على ترسيخ الفروقات بين الإنسان العربي عموماً والإنسان الغربي، وذلك من خلال اعتبار ثبات العديد من المعارف الموروثة معطىً أزلياً. فالبنى البدوية مترسخة في عمق الثقافات العربية، لكن بتفاوت، ومن دون أن تعني التحجر أو التكلس الذهني كما كان قد أصر عليه في العام 1910 الأنثروبولوجي لوسيان ليفي – بروهل في كتابه «الوظائف الذهنية في المجتمعات السفلى»، قافلاً الباب على تطورها من دون استئناف.
وقد أخذ هذا التغليف الأيديولوجي المقصود، على الضفة الأخرى من مدرسي الأنثروبولوجيا عندنا، شكل الإقرار بالتنميط. وكأني بالمرحلة التاريخية قدراً لا مجال للمجتمع أن ينعتق منه، وهذا الأمر لا يقبله العقل. فالتقدم الأوروبي نفسه خرج من الأطواق المعرفية المحكمة التي كبّلته طوال ألفيّة كاملة من الزمن يُعرّفها المؤرخون اليوم بالقرون الوسطى، والباحثون البريطانيون بالقرون العتيمة (The dark ages).
الشكل الآخر الذي ينبغي عدم الوقوع فيه أثناء العمل الأنثروبولوجي في الفضاء العربي المعاصر هو التسليم بحقائق جوهرانية والبناء عليها. فالحقائق في السلوك الاجتماعي هي دوماً نسبية، ترتبط بظرف تاريخي واقتصادي وسياسي محدّد، قد يطول أو قد يقصر، غير أنه غير مكتوب بالمعنى الجوهراني للكلمة. يشدد محمد المعزوز في هذا المجال على أنه لا جوهر ثابتاً، حيث إن حق التحول، في لحظة ما، محفوظ لكل ظاهرة إنسانية درست في الماضي أو تُدرس اليوم.
من هنا لا مكان لحكم أنثروبولوجي على ذات عربية ما، ذلك أن هذه الأخيرة غير موجودة كجوهر مطلق، بل هي موجودة كتجربة اجتماعية‑ثقافية موضوعية كانت تقدّمية الروح في مراحل معينة وتراجعية المنحى في مراحل أخرى، من غير الاستقرار أبداً، لا في هذا القالب ولا في ذاك.
فالتحليل الأنثروبولوجي الحقيقي، عند المهتمين بأهل لغة الضاد، كما عند سواهم من الباحثين في العالم، هو حكماً ومنطقاً تحليلاً مفتوحاً. فقد تبين راهناً أن التنشئة الاجتماعية على المستوى العربي مبنية على خلفية تنشئة مترسخة في العصبية، لكن حتى لو دام الأمر زمناً طويلاً نسبياً، من قال إنه غير قابل للتحول!
فالأبحاث الأنثروبولوجية، مثلها مثل الأبحاث السوسيولوجية، تَنكبّ على دراسة لحظات تاريخية لا تختصر التاريخ بكلّيته. ولذلك هي طوعاً مفتوحة على أبحاث ودراسات لاحقة قد ترسم مشهداً اجتماعياً وثقافياً مختلفاً.
لذلك كله لن تقوم مسيرة أي باحث أنثروبولوجي أو سوسيولوجي حقيقي على القبلية ولا على الجوهرانية ولا على التنميط الفكري، بل على عقل مفتوح ونيّر. وكتاب محمد المعزوز يشكل خير دعوة مفتوحة لكل الحرصاء على مستقبل الأنثروبولوجيا في عالم العرب دون أدنى شك.
ملاحظة النشر
*عالم اجتماع من لبنان*
*ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.*



