بعد 13 عاماً من وفاة طبيب بريطاني في سجون الأسد.. شقيقته تصل دمشق للمطالبة بالعدالة

بعد مرور نحو ثلاثة عشر عاماً على وفاة شقيقها الطبيب عباس خان أثناء احتجازه لدى أجهزة نظام بشار الأسد، شدت البريطانية سارة خان رحالها من لندن إلى العاصمة السورية دمشق، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن وفاته. وخلص تحقيق قضائي بريطاني في عام 2014 إلى أن الطبيب قُتل بصورة غير مشروعة، في تناقض مع رواية النظام السابق التي ادعت انتحاره.
اعتقال الطبيب وتعذيبه
وفي مقابلة مصورة مع وكالة الأناضول، استعادت سارة تفاصيل اعتقال شقيقها والتعذيب الذي قال إنه تعرض له. وأوضحت أن شقيقها عباس (31 عاماً)، وهو جراح عظام بريطاني، وصل إلى سوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 حاملاً مستلزمات طبية للمساعدة في علاج الجرحى في مدينة حلب، التي كانت تعاني نقصاً حاداً في الأطباء وتوقف خدمات المستشفيات بسبب القصف. تطوع عباس في مرافق ميدانية، لكن قوات النظام السابق اعتقلته عند حاجز أمني في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، بعد أيام من وصوله.
وبحسب سارة، نُقل عباس بعد اعتقاله إلى دمشق، حيث تعرض للضرب والتعذيب وسوء المعاملة، وأُعطي مواد مخدرة خلال احتجازه. وأضافت: “تعرض عباس للتعذيب والضرب ومعاملة غير إنسانية طوال نحو تسعة أشهر”، مشيرة إلى أن العائلة لم تكن تعرف مكان احتجازه أو ما يتعرض له.
رحلة الأم للبحث عن ابنها
سافرت والدة عباس إلى بيروت للحصول على تأشيرة دخول إلى سوريا، ثم وصلت إلى دمشق في يوليو/تموز 2013 بحثاً عنه. تنقلت بين الوزارات والمحاكم والسجون، وسألت كل من تصادفه عن مكان احتجازه. قالت سارة: “كانت تطرق أبواب السجون وتتحدث إلى أي شخص تقابله، حتى العاملين في المتاجر. لم تكن تعرف العربية ولا أحد في دمشق، وكانت وحيدة تماماً”.
بعد نحو ثلاثة أسابيع من البحث، علمت العائلة أن عباس محتجز لدى الاستخبارات في فرع فلسطين، وكان من المقرر مثوله أمام محكمة مختصة بقضايا الإرهاب. تمكنت والدته لاحقاً من زيارته، وعرفت منه تفاصيل المعاملة التي تعرض لها، قبل نقله إلى سجن عدرا بريف دمشق.
وعود بالإفراج ثم صدمة الانتحار المزعوم
تلقت العائلة، بين أغسطس/آب وديسمبر/كانون الأول 2013، وعوداً متكررة من مسؤولين في النظام السابق بالإفراج عن عباس، بالتزامن مع ترتيبات لإرسال وفد من أعضاء البرلمان البريطاني إلى دمشق لاصطحابه. حجز النواب تذاكر سفرهم وأماكن إقامتهم بانتظار الموافقة من مكتب بشار الأسد. وأكدت سارة: “أكد لنا الجميع أنه سيُطلق سراح عباس، ولم يكن هناك أي حديث عن خطر يهدد حياته”.
لكن الأمور تغيرت مساء 12 ديسمبر/كانون الأول 2013، عندما اقتاد عناصر من أجهزة الاستخبارات عباس من سجن عدرا إلى مكان مجهول دون إبلاغ أسرته. في اليوم التالي، علمت والدته بنقله من زوجة أحد السجناء. وفي 16 ديسمبر/كانون الأول 2013، تلقت اتصالاً يطلب منها الاستعداد لاستلام ابنها. قالت سارة: “كانت أمي سعيدة لأنها اعتقدت أنها ستعيد عباس إلى المنزل. اشترت الشوكولاتة والبقلاوة والهدايا، وأخذت توزع الحلويات على الجميع، حتى السائق الذي جاء لاصطحابها”.
نُقلت والدته إلى مبنى لم تعرف موقعه، حيث بدأت تشعر بالقلق عندما لم تجد ابنها، قبل أن يخرج أحد الأشخاص ويبلغها: “يجب أن أقدم لك التعازي، لقد أنهى عباس حياته هذا الصباح”. أبلغ المسؤولون العائلة بأن عباس انتحر، لكن الأسرة شككت في الرواية وطالبت بكشف حقيقة وفاته. ووصفت سارة ما حدث بأنه “مزحة قاسية” بحق أم جاءت إلى دمشق بحثاً عن ابنها.
التحقيق القضائي البريطاني ومطالبة بالعدالة
في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2014، أعلنت الحكومة البريطانية أن هيئة المحلفين في التحقيق القضائي بشأن وفاة عباس خان خلصت إلى أنه قُتل بصورة غير مشروعة، في نتيجة تناقض رواية النظام السوري السابق. وقال وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني آنذاك، توباياس إلوود، في بيان رسمي، إن ما توصل إليه التحقيق يؤكد أن الطبيب تعرض للقتل غير المشروع، واعتبر المعاملة التي تلقاها غير مقبولة. وأوضح أن وزارة الخارجية البريطانية طالبت مراراً بالسماح بوصول المساعدة القنصلية إلى عباس ومراجعة احتجازه، لكن النظام السوري تجاهل تلك المطالبات. وأكد إلوود أن عائلة الطبيب تستحق معرفة الحقيقة، وأن المسؤولين عن وفاته يجب أن يقدموا إلى العدالة. ولم تتضمن نتيجة التحقيق إدانة شخص بعينه.
أكدت سارة أن العائلة لا تزال تبحث عن إجابات بشأن ظروف مقتل عباس وهو رهن الاحتجاز، وهوية المسؤولين. وقالت: “بعد نحو 13 عاماً، لا تزال لدينا أسئلة كثيرة بلا إجابات. لماذا فعلوا ذلك؟ من فعل ذلك؟ لماذا لم يريدوا له العودة إلى المنزل؟ ولماذا وعدونا بالإفراج عنه؟ ولماذا تعرض للتعذيب؟ ومن الذي قتله في النهاية؟”. وأشارت إلى أن ما تكشف لاحقاً عن التعذيب وسوء المعاملة في السجون السورية، واكتشاف مقابر جماعية وصور لضحايا الانتهاكات، زاد من إصرار العائلة على معرفة الحقيقة.
وقالت سارة: “نحن، كعائلة، ما زلنا ملتزمين بالسعي لتحقيق العدالة لعباس، والعدالة لأمي أيضاً عما اضطرت لتحمله”. وأضافت أن والدتها لم تتعافَ مما عاشته في دمشق، وأن التجربة تركت أثراً عميقاً في حياتها.
رسائل الأمل من السجن وأمل في السلطات الجديدة
استعادت سارة الرسائل التي كان يكتبها شقيقها أثناء احتجازه في سجن عدرا، حين كانت والدته تزوره أسبوعياً وتنقل رسائله إلى بقية أفراد الأسرة. وقالت إن عباس ظل، رغم ما تعرض له، محتفظاً بروح الدعابة والأمل: “كان يضحك ويمزح معنا، ويسأل عن أبناء إخوتنا ودراستنا، وعن موعد زواجنا. كان يكتب رسائل طويلة إلى أطفاله وزوجته”. وأضافت أنه كان يعلم السجناء الآخرين اللغة الإنجليزية، ويقرأ الكتب ويكتب يومياته، بينما كانت والدته تحضر له الأقلام والأوراق والكتب الطبية. وقالت: “كان في حالة معنوية جيدة، وكان يعتقد أنه عائد إلى المنزل”.
تأتي عودة سارة إلى دمشق في ظل مسار للعدالة الانتقالية بدأته السلطات السورية الجديدة. ففي 17 مايو/أيار 2025، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً بإنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي تتولى كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة المرتكبة خلال حكم النظام السابق، ومساءلة المسؤولين عنها وجبر الضرر الواقع على الضحايا. وفي 17 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت الهيئة أنها تواصل توثيق الانتهاكات والاستماع إلى الضحايا وتطوير آليات المساءلة والمحاسبة، بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والمنظمات المعنية.
أعربت سارة عن أمل عائلتها في تعاون السلطات السورية الجديدة لكشف ملابسات وفاة عباس ومحاسبة المسؤولين. وقالت: “لدينا أمل كبير في الحكومة الجديدة. لقد أبدى المسؤولون تعاطفاً معنا واستعداداً للتعاون، وأظهروا رغبتهم في تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين”. وأضافت: “نأمل أن يفعلوا ذلك في قضية عباس أيضاً”. وأكدت أن سعي الأسرة إلى العدالة لا يقتصر على كشف حقيقة مقتل شقيقها، بل يشمل أيضاً إنصاف والدتها عما عانته خلال محاولتها إعادته حياً إلى أسرته.










