الرئيسيةعربي و عالميكيف تحول الصمت إلى عالمية غير...
عربي و عالمي

كيف تحول الصمت إلى عالمية غير مرئية

الصمت الذي بنى العالم المتصل

الأفكار لا تظهر فجأة مكتملة؛ بل تنمو بهدوء وتدخل حياتنا بخطوات لا نحس بها، حتى إذا استقرت فيها اعتبرناها جزءا من طبيعة الأمور. لهذا لم نستيقظ ذات صباح لنجد العالم قد أصبح “عالميًا”؛ بل حدث ذلك ونحن منشغلون بحياتنا اليومية: نضغط ببصمة إصبع، نتحدث عبر قارة، ونتابع حدثًا يجمع مليارات البشر دون أن نتساءل متى أصبحت كل تفاصيل حياتنا تدور داخل منظومة واحدة. حدث ذلك بصمت، فلم يُسلب منا عالمنا الصغير بل اتسع شيئا فشيئًا حتى وجدنا أنفسنا داخل نطاق أكبر. أصبح رغيف الخبز يتأثر بقرارات تُتخذ في قارة أخرى، وأصبحت هواتفنا متصلة بخوادم لا نعرف مكانها، وأخبارنا تمر عبر مؤسسات لم نرَ جدرانها قط، وحتى ما يلفت انتباهنا كل صباح كثيرًا ما يُصاغ في أماكن قد نعجز عن تحديدها على الخريطة.

أقنعونا أن العالم قرية صغيرة، لكنهم لم يخبرونا أن في هذه القرية من يضع القواعد ومن يتبعها؛ فصار مصطلح “العالمي” مرادفًا لـ”الأفضل” وصار “المحلي” نقيضًا لـ”المتطور”، وكأننا في سباق قد حددت مساراته مسبقًا وعلينا فقط أن نركض دون أن نسأل عن خط النهاية.

عندما تصبح “العالمية” درعًا من النقد

ومع ذلك فإن الكلمات التي تنتهي بـ”العالمي” – الاقتصاد العالمي، السوق العالمية، الصحة العالمية، الشبكة العالمية، البطولات العالمية – لم تعد تستوقفنا. نرددها كما لو كانت جزءًا من الطبيعة، لا مفاهيم صنعها الإنسان، ولا أنظمة تستحق أن نتأمل كيف نشأت وإلى أين تمضي. وهنا تكمن الفخاخ العظيمة: عندما نغلف الأشياء بـ”العالمية” نمنحها حصانة ضد النقد. كيف تجرؤ على نقد شركة عابرة للقارات؟ كيف تعترض على معيار اقتصادي يتبعه العالم أجمع؟ إنها “الموضوعية” الجديدة التي تفرض نفسها كدين لا يقبل التأويل. لكن التاريخ دائمًا كان سلسلة من “الحقائق” التي بدت غير قابلة للمس ثم انهارت أمام سؤال واحد شجاع.

الوعي كخطوة إلى الخلف وليس تراجعًا

السؤال ليس لأن كلمة “العالمي” تثير الريبة ولا لأن وراء كل ظاهرة يد خفية، بل لأن اتساع أي شيء يمنحه قدرة أكبر على التأثير، وكلما اتسع التأثير اتسعت معه مسؤولية السؤال. والسؤال ليس خصمًا للحقيقة بل حارسها. الخطر لا يبدأ عندما تصبح المؤسسة عالمية أو الشركة عابرة للقارات أو الحدث يجمع سكان الأرض؛ بل يبدأ عندما تصبح هذه الصفات كافية لإعفائها من التأمل والمساءلة، وكأن حجمها منحها حصانة لم يمنحها لها العقل. لست أدعو إلى الشك؛ فالشك غاية العاجزين عن اليقين. ولا أدعو إلى التصديق الأعمى، فهو الوجه الآخر للعجز نفسه. ما أدعو إليه أبسط: أن نتعلم أن نأخذ خطوة إلى الخلف، ليس تراجعًا بل عين التبصر؛ أن نرفع يدنا عن شاشة هاتف للحظة وننظر إلى هذا الوجود من خارج النوافذ الرقمية، فذلك فعل مقاومة. الصورة التي تبدو مكتملة من الداخل قد تبدو مختلفة تمامًا من الخارج، وما نراه اليوم أمرًا طبيعيًا قد يراه أحفادنا بعد خمسين عامًا أعجب تحولات هذا العصر. الوعي ليس حكرًا على الفلاسفة في معازلهم الفكرية؛ الوعي هو أن ندرك أننا لسنا مجرد رقم في إحصائية عالمية بل كائن له وزن، وله صوت، وله حق في أن يقول “لا” لكل ما يُفرض علينا تحت لافتة “الطبيعي” أو “الحتمي\). لذلك كلما صادفت كلمة “العالمي” لا تتعجل بالقبول ولا بالرفض؛ توقف لحظة واسأل نفسك: هل تصف هذه الكلمة اتساعًا في الخدمة أم اتساعًا في النفوذ؟ بين السؤالين مساحة كاملة اسمها الوعي.