الرئيسيةسياحةعسير: وجهة سياحية متجددة تجمع بين...
سياحة

عسير: وجهة سياحية متجددة تجمع بين التراث والاستدامة

في الصيف الماضي كانت رحلتي إلى عسير كفيلة بأن تغير كثيراً من الصور التي كانت محفورة في ذهني عن المنطقة، وما إن انتهت الجولة حتى أصبح قرار العودة هذا العام أمراً طبيعياً، ليس بحثاً عن اعتدال المناخ أو الضباب الذي يعلو الجبال، بل رغبة في الاستمرار باكتشاف مكان يتجدد في كل زيارة.

تنوع الطبيعة وتجربة الزوار

من متنزه السحاب المطل على مدينة أبها، مروراً بقمم السودة التي تلامس السحب ووصولاً إلى قرى بللحمر وبللسمر، ثم الطريق الذي يمتد شمالاً نحو تنومة والنماص وبلقرن، شعرت بأنني لا أنتقل بين محافظات فحسب، بل أجتاز فصولاً من لوحة وطنية واحدة تتغير تفاصيلها بينما يبقى جمالها ثابتاً.

ما يلفت الانتباه اليوم ليس جمال الطبيعة فقط، إذ إن هذا الميراث geografic هو هبة من الأرض منذ آلاف السنين، بل قدرة المواطن السعودي على تحويل هذا الإرث إلى تجربة سياحية عالمية متكاملة. في القرى التراثية وعلى قمم الجبال وفي المنتجعات الريفية يلاحظ زوار من جنسيات متعددة يأتون لاكتشاف ثقافة وهوية سعودية أصيلة استطاعت أن تفرض حضورها بثقة، ما يعكس المكانة التي وصلت إليها المملكة على خارطة السياحة العالمية.

الاستثمار في الإنسان والمكان

هذا التحول لم يأتِ من قبيل الصدفة، بل هو ثمرة رؤية وطنية أدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان والمكان معاً. ما تحقق في عسير يقدم نموذجاً متقدماً للتنمية التي تحترم الهوية، وتمنح الطبيعة دور البطولة بدلاً من أن تزاحمها.

وبينما فقدت وجهات كثيرة حول العالم جزءاً من شخصيتها تحت زحف العمران، اختارت عسير أن تجعل الحجر والطين وأشجار العرعر جزءاً من تجربة الرفاهية، لتبقى أصالتها حاضرة في كل زاوية.

مشروع قمم السودة والبنية التحتية

ويتجسد هذا الفكر بوضوح في مشروع قمم السودة، حيث لم يكن الهدف بناء مدينة فوق الجبال، بل بناء تجربة سياحية تنسجم مع الجبل وتحافظ عليه. تخصيص نسبة محدودة جداً للبناء مقابل الحفاظ على المساحات الطبيعية يعكس فهماً عميقاً لمعنى التنمية المستدامة، ويؤكد أن حماية البيئة أصبحت جزءاً أصيلاً من فلسفة التنمية السعودية.

وفي الوقت نفسه، لم تقف النهضة عند المشهد الطبيعي، بل امتدت إلى الخدمات والبنية التحتية والتحول الرقمي، فأصبحت تجربة الزائر أكثر سهولة، بدءاً من التخطيط للرحلة وحجز الفعاليات وصولاً إلى التنقل بين المحافظات عبر شبكة طرق متطورة وخدمات متكاملة تعكس حجم العمل الذي يجري وفق أعلى المعايير.

الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم

الأجمل من كل ذلك، أن عسير لم تسعَ إلى العالمية بالتخلي عن هويتها، بل وصلت إليها لأنها تمسكت بها. حافظت على موروثها وعلى فنونها وعلى عمارتها الحجرية وعلى كرم أهلها، ثم قدمت ذلك كله للعالم في صورة حديثة تليق بوطن يقود واحدة من أكثر التجارب التنموية طموحاً في العالم.

عدت إلى عسير هذا العام فوجدتها أكثر نضجاً واتساعاً وجاذبية. هناك لا تشعر أنك تزور منطقة سياحية فحسب، بل تشهد قصة نجاح وطنية تتجدد أمام عينيك وتدرك أن الاستثمار في الإنسان والمكان قادر على صناعة مستقبل يليق بطموحات المملكة.

عسير اليوم ليست مجرد غيم يلامس القمم، ولا مطراً ينعش الصيف، بل عنوان لوطن استطاع أن يحول جمال الجغرافيا إلى قصة نجاح عالمية، وأن يجعل من كل زيارة وعداً بالعودة من جديد.