الرئيسيةعربي و عالميالأزمة في مالي تتفاقم مع اتساع...
عربي و عالمي

الأزمة في مالي تتفاقم مع اتساع الهجمات وتعثر المسار السياسي

الهجمات المتزامنة وتوسع الجبهة

أعلن الجيش المالي عن وقوع هجمات متزامنة استهدفت مواقع في مناطق أجلهوك وأنفيف وغاو وسيفاري بشمال البلاد، دون أن يوضح حجم الخسائر أو هوية المنفذين. كما استهدفت إحدى الهجمات سجن كينيوروبا الواقع على بعد نحو سبعين كيلومترًا من العاصمة باماكو. وأوضح المتحدث باسم حركة تحرير أزواد أن مقاتلي الحركة استطاعوا خلال أسبوع من المواجهات إلحاق خسائر بالقوات المالية والقوات الروسية الداعمة لها، رغم فشلهم في السيطرة على مدينة أنفيف التي كانت الهدف الرئيسي للعمليات. وأضاف في تدوينة على فيسبوك بتاريخ العاشر من يوليو أن عدم الاستحواذ على المدينة لا يلغي ما تحقق من إنجازات ميدانية، مؤكدًا أن المعركة مستمرة ولا يمكن قياس نتائج الحرب بنتيجة جولة واحدة.

المسار السياسي المسدود وغياب وسيط مقبول

يرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، مع استمرار العمليات العسكرية واتساع الضغوط على العاصمة، بينما تتراجع فرص إحياء مسار التسوية السياسية الذي تعثر بعد انسحاب باماكو من اتفاق الجزائر للسلام. ويقول المحلل السياسي الموريتاني أحمد محمد المصطفى إن الصراع بين المجلس العسكري والجماعات المسلحة بات أقرب إلى معركة صفرية، إذ يتمسك كل طرف بخياراته ولا توجد مؤشرات على وجود أرضية مشتركة للحوار. ويضيف أن العسكريين الحاكمين يواصلون خيار الحسم العسكري، بينما رفعت الجماعات المسلحة سقف مطالبها، سواء كانت جبهة تحرير أزواد التي تسعى لبسط سيطرتها على الشمال أو جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة التي كثفت عملياتها ضد السلطات وتسعى لإسقاط نظام غويتا بشكل نهائي. ويشير المصطفى إلى أن الهجمات الأخيرة جزء من استراتيجية تستنزف القوات الحكومية وتفرض ضغوطًا متزايدة على العاصمة ومحيطها، ما يضع المجلس العسكري أمام تحديات أمنية وسياسية متصاعدة. ويؤكد أن أبرز ما يعرقل أي تسوية سياسية هو غياب وسيط يحظى بثقة جميع الأطراف، خاصة بعد أن أصبحت الجزائر، التي رعت اتفاق السلام عام 2015، متهمة من قبل السلطات المالية بدعم الحركات المسلحة، بينما تواجه أطراف دولية أخرى اتهامات مماثلة بالانحياز، مما يحد من فرص تقريب وجهات النظر ويدفع الأطراف إلى الاستعداد لجولات جديدة من القتال بدلاً من العودة إلى طاولة المفاوضات.

الآثار المعيشية والأمنية على العاصمة

وبحسب خبير في الشأن المالي يقيم في باماكو وفضل عدم الكشف عن هويته لدواع أمنية، فإن العاصمة لا تزال تواجه اضطرابًا في خطوط الإمداد، مما انعكس على توفر السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، إضافة إلى انقطاعات في بعض الخدمات. وأوضح أن السلطات شددت الإجراءات الأمنية داخل المدينة، مع انتشار واسع لنقاط التفتيش وفرض قيود على الحركة ليلا تحسبًا لهجمات جديدة. وأشار إلى أن استمرار الحصار أدى إلى تزايد الضغوط المعيشية على السكان، بينما لجأت بعض التجمعات المحلية إلى التفاوض مع جماعات مسلحة لتأمين مرور البضائع وفتح الأسواق. وفي مايو الماضي، قال مسؤول الإعلام في جبهة تحرير أزواد بوبكر ولد الطالب للأناضول إن الجبهة منفتحة على مختلف الحلول السياسية، بما في ذلك خيار الكونفدرالية، إلا أن هذا الطرح لم يلق استجابة من السلطات المالية.

السياق التاريخي والدعم الخارجي

وتُعد جبهة تحرير أزواد تحالفا سياسيا وعسكريا يضم عددا من الحركات الأزوادية في شمال مالي، وأُعلن عن تأسيسه في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 عقب إعلان الحكومة المالية انسحابها من اتفاق السلم والمصالحة (اتفاق الجزائر) الموقع عام 2015. وجاء تأسيس الجبهة بهدف توحيد الفصائل الأزوادية سياسيا وعسكريا بعد انهيار مسار التسوية مع باماكو، وتطالب بمنح إقليم أزواد وضعا سياسيا يضمن حق سكانه في إدارة شؤونهم، بينما تتهمها الحكومة المالية بالسعي إلى الانفصال. وتسيطر الجبهة أو تنشط في أجزاء واسعة من شمال مالي، ولاسيما في مناطق كيدال وغاو وتمبكتو، وتخوض مواجهات متكررة مع الجيش المالي والقوات الروسية الداعمة له. وتبلغ مساحة منطقة أزواد نحو 822 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب ثلثي مساحة مالي، وتعد مدينة كيدال أبرز معاقل الحركات الأزوادية ورمزها السياسي والعسكري. ويذكر المصطفى أن جبهة تحرير أزواد استعادت خلال هجمات 25 أبريل/نيسان الماضي التي قُتل فيها وزير الدفاع ساديو كامارا مدينة كيدال التي تمثل رمزية خاصة في الوجدان الأزوادي، إذ اختارتها الحركات الأزوادية عاصمة للدولة التي أعلنتها عام 2012، واعتبر أن هذه الهجمات شكلت فرصة لتوسيع نطاق سيطرتها في تلك المنطقة. ويتلقى الجيش المالي دعما من قوات روسية تعمل ضمن ما يعرف بـ”الفيلق الإفريقي” التابع لوزارة الدفاع الروسية، الذي حل محل التشكيلات العسكرية الروسية الخاصة التي كانت تنشط في البلاد خلال السنوات الماضية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أفاد تقرير بثه التلفزيون الرسمي الروسي بأن عناصر من “الفيلق الإفريقي” ينتشرون في ست دول إفريقية، بينها مالي، في إطار مهام عسكرية لدعم الحكومات الحليفة لموسكو. ويخلص مراقبون إلى أن تزامن اتساع الهجمات المسلحة مع تعثر المسار السياسي وغياب وسيط مقبول من جميع الأطراف يجعل احتمالات استمرار المواجهة العسكرية أكبر من فرص التوصل إلى تسوية في المدى المنظور. ومع استمرار الضغوط على العاصمة واتساع نطاق العمليات العسكرية، تبدو الأزمة المالية مرشحة لدخول مرحلة أكثر تعقيدا، في ظل تمسك جميع الأطراف بخياراتها الميدانية. وأطاح أسيمي غويتا بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في انقلاب عسكري قاده في 18 أغسطس/آب 2020، قبل أن يتولى لاحقا قيادة المرحلة الانتقالية.